Diyarât
الديارات للشابشتي
دير درمالس
هذا الدير في رقة باب الشماسية ببغداد، قرب الدار التي بناها الديلمي أحمد بن بويه، بباب الشماسية. وموقعه أحسن موقع. وهو نزه كثير البساتين والأشجار. وبقربه أجمة قصب. وهو كبير، آهل برهبانه وقسانه والمتبتلين فيه. وهو من البقاع المعمورة بالقصف، والمقصود بالتنزه والشرب.
وأعياد النصارى ببغداد، مقسومة على ديارات معروفة، منها أعياد الصوم: فالأحد الأول منه: عيد دير العاصية، وهو على ميل من سمالو.
والأحد الثاني: دير الزريقية.
والأحد الثالث: دير الزندورد.
والأحد الرابع: دير درمالس هذا. وعيده أحسن عيد، يجتمع نصارى بغداد إليه، ولا يبقى أحد ممن يحب اللهو والخلاعة إلا تبعهم. ويقيم الناس فيه الأيام، ويطرقونه في غير الأعياد.
ولأبي عبد الله بن حمدون النديم، فيه:
يا دير درمالس ما أحسنك ... ويا غزال الدير ما أفتنك
لئن سكنت الدير يا سيدي ... فإنّ في جوف الحشا مسكنك
ويحك يا قلب، أما تنتهي ... عن شدة الوجد بمن أحزنك
ارفق به، بالله، يا سيدي ... فإنه من حينه مكّنك
وكان من خبر هذا الشعر، ما ذكره أحمد بن خالد الصريفيني، قال: كنا عند أبي عبد الله بن حمدون، في الوقت الذي نفاه فيه المتوكل. فتذاكرنا الديارات، وطيبها وحسنها في الأعياد، واجتماع الناس بها. فقال: قد، والله، شهيتني لحضور هذه المواضع، والتفرج فيها، والتسلي بها، فأي دير منها قد حضر عيده؟ قلت: دير درمالس، وغدًا عيده! قال: فعلى بركة الله. فأعددت جميع ما يحتاج إليه ويصلح لمثله، وبكرنا إلى الدير، ونظرنا إلى اجتماع الناس وتعييدهم. وانصرف من انصرف، وأقمت معه في الدير ذلك اليوم ومن غده. وجلسنا منه مجلسًا يشرف على تلك البساتين والمزارع. فشرب، وطابت نفسه وطرب، وحضره من أحداث الموضع من كان يقضي لنا الحاجة ويجيئنا بالطرفة والتحية. فشغف بهم، واستطاب وقته معهم، وقال الأبيات المتقدمة.
وكان سبب نفي المتوكل له، أن الفتح بن خاقان، كان يعشق شاهك، خادم المتوكل، واشتهر الأمر فيه حتى بلغه. وله فيه أشعار، منها:
أشاهك، ليلي مذ هجرت طويل ... وعيني دمًا بعد الدموع تسيل
وبي منك، والرحمن، ما لا أطيقه ... وليس إلى شكوى إليك سبيل
أشاهك، لو يجزى المحبّ بودّه ... جزيت، ولكن الوفاء قليل
وكان أبو عبد الله، يسعى فيما يحبه الفتح، فعرف المتوكل الخبر، فاستدعى أبا عبد الله وقال له: إنما أردتك وأدنيتك لتنادمني، ليس لتقود على غلماني! فأنكر ذلك، وحلف يمينًا حنث فيها، فطلق من كانت حرةً من نسائه، وأعتق من كانت مملوكة، ولزمه حج ثلاثين سنة، فكان يحج كل عام.
قال: فأمر المتوكل بنفيه إلى تكريت، فأقام بها أيامًا. ثم جاءه زرافة في الليل على البريد، فبلغه ذلك، فظن أنه يعني المتوكل لما شرب بالليل وسكر، أمر بقتله، فاستسلم لأمر الله. فلما دخل عليه، قال: جئت في شيء ما كنت أحب أن أجيء في مثله! قال: وما هو؟ قال: أمر أمير المؤمنين بقطع أذنك! وقال: قل له: لست أعاملك إلا كما يعامل الفتيان! فرأى ذلك أسهل مما ظنه من القتل. فقطع غضروف أذنه من خارج، ولم يستقصه، وجعله في كافور معه، وانصرف. وبقي منفيًا. ثم حدر أبو عبد الله إلى بغداد، إلى منزله. فأقام به مدة. قال أبو عبد الله: فلقيت إسحق بن إبراهيم الموصلي، بعدما كف بصره. فسألني عن أخبار الناس والسلطان. فأخبرته ثم شكوت إليه غمي بقطع أذني. فجعل يسليني ويعزيني، ثم قال لي: من المتقدم اليوم عند أمير المؤمنين والخاص من ندمائه؟ فقلت له: محمد بن عمر البازيار. فقال لي: ومن هذا الرجل؟ وما مقدار أدبه وعلمه؟ فقلت: أما أدبه، فلا أدري، ولكني أخبرك بما سمعت منه منذ قريب: حضرنا الدار يوم عقد المتوكل لأولاده الثلاثة، فدخل مروان بن أبي الجنوب بن أبي حفصة، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
بيضاء في وجناتها ... وردٌ، فكيف لنا بشمه
1 / 1
فسر المتوكل بذلك سرورًا شديدًا، وأمر، فنثر عليه بدرة دنانير، وأن تلقط وتطرح في حجره، وأمره بالجلوس، وعقد له على اليمامة والبحرين. فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت كاليوم قط، ولا أرى، أبقاك الله ما دامت السموات والأرض! وقبل، قال له: فما تقول في أدبه؟ فقال: أأكثر من أن يقول كثير!. فقال لي إسحق: ويلك! جزعت على أذنك وغمك قطعها؟ ولم؟ حتى تسمع مثل هذا الكلام؟ ثم قال لي: ويلك! لو أن لك مكوك آذان، أيش كان ينفعك مع هؤلاء؟ قال: وأعاده المتوكل إلى خدمته. وكان إذا دعا به، قال على جهة المزاح: يا با عبيد.
ولما رضي عنه، قال له: هل لك في جارية أهبها لك؟ فأكبر ذلك وأنكره. فوهب له جارية يقال لها صاحب، من جواريه، حسنة كاملة الأدب، إلا أن بعض الخدم رد السبطانة على فمها، وقد أرادت أن ترميه، فصدع إحدى ثنيتيها، فاسودت، فشانها ذلك عنده. وحمل معها كل ما كان لها: وكان شيئًا عظيمًا كثيرًا. فلما مات أبو عبد الله، تزوجت صاحب بعض العلويين. قال علي بن يحيى بن المنجم: فرأيته في النوم وهو يقول لي:
أبا علي، ما ترى العجائبا ... أصبح جسمي في التراب غائبا
واستبدلت صاحب بعدي صاحبا
ولأبي عبد الله شعر جيد. ومن شعره يعاتب علي بن يحيى:
من عذيري من أبي حسن ... حين يجفوني ويصرمني
كان لي خلًا وكنت له ... كامتزاج الرّوح بالبدن
فوشى واش، فغيّره ... وعليه كان يحسدني
إنما يزداد معرفةً ... بودادي حين يفقدني
قال: واتصل بنجاح بن سلمة، إن أبا عبد الله بن حمدون، يذكره ويتنادر به بين يدي المتوكل. فلقيه نجاح يومًان فقال له: يا أبا عبد الله: قد بلغني ذكرك لي بحضرة أمير المؤمنين بغير الجميل، ولم يخف علي قولك! أتحب أن أنهي إليه قولك إذا خلوت به: أتراني أحبه، وقد فعل بي ما فعل؟ والله، ما وضعت يدي على أذني إلا تجددت له بغضة في قلبي. فقال ابن حمدون: الطلاق له لازم إن كان قال هذا قط، وامرأته طالق إن ذكرتك بغير ما تحبه أبدًا! قال: كان إبراهيم بن محمد بن مدبر، يلاعب أبا عبد الله بالنرد. فإذا غلبه شيئًا، دفعه إلى كردية المغنية، جارية محمد بن رجا. فغلبه يومًا عشرين دينارًا، فأخذها منه ودفعها إليها. فكتب إليه أبو عبد اله بعد ذلك:
تقضي الحقوق بمالي ... وأنت تعرف حالي
إن دام هذا عليّ ... أفقرتني وعيالي!
وكان أبوه إبراهيم وأظن أنه الملقب بحمدون بن إسماعيل، ينادم المعتصم، ثم الواثق بعده. وكان يعابث المتوكل في ذلك الوقت. وجاءه مرة بحية في كمه، وأخرج رأسها تعريضًا بأمه شجاع، وكان ذلك يعجب الواثق.
قال: فلما مات الواثق، نادم حمدون المتوكل. قال: فلما كان في بعض الأيام، أمر المتوكل بإحضار فريدة جارية أخيه الواثق، وكانت من الحسن والاحسان على ما لم ير مثله. وقال للخدم. إن لم تجيء فجيئوني برأسها! فأحضرت مكرهة، ودفع إليها عود، فغنت غناء يشبه الندبة والمرثية، فأسمعها، وأمرها أن تغني غيره. فبكت وغنت غناء شجيًا بحزن. فزاد ذلك في طيب غنائها، فوجم حمدون للرقة التي تداخلته! فغضب المتوكل، ورأى أنه فعل ذلك بسبب أخيه الواثق حزنًا عليه، وكان يبغض كل من مالي إليه! فأمر بنفيه إلى السند وضربه ثلثمائة سوط! فسأل أن يكون الضرب من فوق الثياب لضعفه عن ذلك، فأجيب إلى ذلك. وأقام منفيًا ثلاث سنين. وتزوج المتوكل فريدة بعد ذلك، فولدت له ابنه أبا الحسن.
قال: دعا إبراهيم جماعة من المغنين، فيهم جحظة وقاسم بن زرزر، وكان فيها عمه أبو محمد بن حمدون. فجعل إبراهيم يحاكي واحدًا واحدًا من المغنين. فقال له عمه: لا تحاك جحظة، ولا يكن بينك وبينه عمل! فلم يقبل، وحاكاه. فلم يزل جحظة يحتال في شيء يكتب فيه، إلى أن وجد رقعة، فكتب فيها:
حصلت على حكاية من يغني، ... فحاك لنا العجوز إذا تغنّت
وحاك لنا لبيبًا إذ أتاها ... فأعطاها القمدّ كما تمنّت
فقال له عمه: ألم أقل لك: عقرب، لا تقرب!
1 / 2
وحكى جحظة، عن إبراهيم بن القسم زرزر، إن لاكهكيفي كان حسن الغناء مجيدًا، وكان يحسد إبراهيم بن أبي العبيس على غنائه وشجا صوته. فلما مات إبراهيم وكانت وفاته في أيام المكتفي، على لاكهكيفي والدموع في عيني. فقال: ما لك؟ قلت: مات إبراهيم! قال: بسلام! والله، لو لم يمت لقتلته!
دير سمالو
وهذا الدير شرقي بغداد، بباب الشماسية، على نهر المهدي. وهناك أرحية للماء، وحوله بساتين وأشجار ونخل. والموضع نزه، حسن العمارة، آهل بمن يطرقه، وبمن فيه من رهبانه.
وعيد الفصح ببغداد، فيه منظر عجيب. لأنه لا يبقى نصراني إلا حضر وتقرب فيه، ولا أحد من أهل الطرب واللهو من المسلمين إلا قصده للتنزه فيه. وهو أحد متنزهات بغداد المشهورة، ومواطن القصف المذكورة.
ولمحمد بن عبد الملك الهاشمي، فيه:
ولربّ يوم في سمالو تم لي ... فيه السرور وغيّبت أحزانه
وأخ يشوب حديثه بحلاوةٍ ... يلتذّ رجع حديثه ندمانه
صافي الرّحيق من المدام شرابة ... والمحسنات من الأوانس شانه
بكرت عليّ به الزيارة فاغتدى ... طربًا إليّ وسرّني اتيانه
فأمرت ساقينا وقلت له اسقنا ... قد حان وقت شرابنا وأوانه
فتلاعبت بعقولنا نشواته ... وتوقّدت بخدودنا نيرانه
حتى حسبت لنا البساط سفينةً ... والدير ترقص حولنا حيطانه
ولخالد الكاتب، فيه:
يا منزل القصف في سمالو ... ما لي عن طيبك انتقال
واهًا لأيامك الخوالي ... والعيش صاف بها زلال
تلك حياة النفوس حقًا ... ولك ما دونها محال
وهو أبو الهيثم خالد بن يزيد الكاتب. وكان مليح الشعر رقيقه، لا يقول إلا في الغزل، ولا يتجاوز الأربعة أبيات، ولا يزيد عليها. ولم يكن له شعر في مدح ولا هجاء.
وذكر ميمون بن حماد، قال: دخل علي يومًا أبو عبد الله ابن الاعرابي، فقلت: يا أبا عبد الله، سمعت من شعر هذا الغليم شيئًا؟ قال: من هو؟ قلت: خالد بن يزيد. قال: لا، وإني لأحب ذلك! فصح به. فجاء حتى وقف. فقلت: أنشد أبا عبد الله شيئًا من شعرك. فقال: إنما أقول في شجون نفسي، لا أمدح ولا أهجو. فقلت: أنشده، فأنشده.
أقول للسقم عد إلى بدني ... حُبًا لشيء يكون من سببك
فقال ابن الاعرابي: حسبك يا غلام! فقد خيل إلي أن الرقة قد جمعت لك في هذا البيت.
قال جحظة: حدثني خالد الكاتب، قال: كنت بدير سمالو، لم أشعر إلا ورسول إبراهيم ابن المهدي قد وافاني. فدخلت إليه، فإذا برجل أسود مشفراني قد غاص في الفراش، فاستجلسني، فجلست. فقال: أنشدني شيئًا من شعرك، فقلت: أيها الأمير، أنا غلام أقول في شجون نفسي، لا أكاد أمدح ولا أهجو. فقال: ذلك أشد لدواعي البلاء، فأنشدته:
رأت منه عيني منظرين كما رأت ... من البدر والشمس المضيئة بالأرض
عشية حيّاني بوردٍ كأنه ... خدودٌ أضيفت بعضهن إلى بعض
وناولني كأسًا كأن رضابها ... دموعي لما صدّ عن مقلتي غمضي
وولى وفعل السّكر في حركاته ... من الراح، فعل الريح بالغصن الغضّ
فزحف، حتى صار في ثلثي المصلى. ثم قال: يا بني، شبه الناس الخدود بالورد، وشبهت أنت الورد بالخدود! زدني، فأنشدته:
عاتبت نفسي في هوا ... ك، فلم أجدها تقبل
وأجبت داعيها إلي ... ك، ولم أطع من يعذل
لا والذي جعل الوجو ... هـ لحسن وجهك تمثل
لا قلت أن الصبر عن ... ك من التصابي أجمل
فزحف، حتى صار خارج المصلى، ثم قال: زدني! فأنشدته:
عش فحبّيك سريعًا قاتلي ... والضنى إن لم تصلني واصلي
ظفر الحبّ بقلبٍ دنف ... بك والسقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئابِ وضنى ... تركاني كالقضيب الذابل
وبكى العاذل لي من رحمتي ... فبكائي لبكاء العاذل
فصاح وقال: يا بليق: كم لي معك من العين؟ قال: ستمائة وخمسون دينارًا، قال: اقسمها بيني وبينهن واجعل الكسر كاملًا للغلام.
1 / 3
وذكر أحمد بن صدقة المغني، قال: اجتزت بخالد الكاتب يومًان فقلت له: اعمل لي أبياتًا أغني فيها أمير المؤمنين، يعني المأمون. قال: فأي حظ لي في ذلك؟ تأخذ أنت الجائزة، وأحصل أنا على الاثم! فحلفت له، أنه إن وصلني بشيء، قاسمته إياه. فقال لي: أنت أنذل من ذاك! ولكن أذكره بي، فلعله يصلني بشيء. قلت: أفعل. فأنشدني:
تقول سلا فمن المدنف ... ومن عينه أبدًا تذرف
ومن قلبه قلقٌ خافقٌ ... عليك وأحشاؤه ترجف
فحفظت الشعر، وعملت فيه لحنًا، وحضرنا عند المأمون من الغد مع المغنين. وكان بينه وبين بعض حظاياه هجرة. فوجهت إليه بتفاحة عنبر مكتوب عليها بالغالية: يا سيدي سلوت. وما علم الله أني عرفت شيئًا من الخبر. وانتهى الدور إلي وابتدأت أغني بشعر خالد. فلما غنيته إياه، احمر وجه المأمون وانقلبت عيناه، ودارتا في أم رأسه، وظهر الغضب في وجهه، وقال: لكم على حرمي أصحاب أخبار؟ فقمت إعظامًا لما شاهدت منه، وقلت: أعيذ أمير المؤمنين بالله أن يظن بعبده هذا الظن، وأنزه داره أن يكون لأحد عليها صاحب خبر! قال: فمن أين عرفت خبري مع جاريتي حين غنيت في معنى ما بيننا؟ فحلفت له أني لا أعرف شيئًا من ذلك، وحدثته حديثي مع خالد. فلما انتهيت إلى قوله: أنت أبذل من ذاك! قال: أشهد أنك كذاك، وأسفر وجهه. وقال: ما أعجب هذا الاتفاق! وأمر لي بخمسة آلاف درهم، ولخالد بمثلها.
ومن مليح شعر خالد:
كبد المستهام كيف تذوب ... ما تقاسي من العيون القلوب
بدن المستهام كيف تراه ... شجنٌ ما له سواه طبيب
أين أين الرقاد يا مقلتي من ... حرّ أحشائه عليه رقيب
يا مكان الهوى خلوت من الصب ... ر، فما للسلو فيك نصيب
ومن مليح شعره:
ولم أدر ما جهد الهوى وبلاؤه ... وشدته حتى وجدتك في قلبي
أطاعك طرفي في فؤادي، فحازه ... لطرفك حتى صار في قبضة الحب
ومن شعره، وفيه لحن:
قد استعار الحسن من وجهه ... والغصن الناعم من قدّه
لقد تعاتبنا بأبصارنا ... فيما جناه الخلف من وعده
حتى تجارحنا بتكرارنا ... للّحظ في خدّي وفي خدّه
وله أيضًا:
ما على الغضبان لو كان رضي ... ورثى لي من تمادي مرضي
قال لي لما تشكّيت الهوى ... إحمد الله كذا قُضي
قلت: حاشى الله أن يقضي بذا ... بل قضاه صاحب الوجه الوضي
أنت شرّدت رقادي ظالمًا ... فاجعل الانصاف منه عوضي
وله أيضًا:
رحلتم، فكم من أنةٍ بعد زفرةٍ ... مُبيّنةٍ للناس شوقي إليكم
وقد كنت اعتقت الجفون من البكا ... فقد ردّها في الرق حزني عليكم
وله أيضًا:
زراني في مورّدٍ مثل خدي ... هـ وعقد فصوله الكافور
ليلةٌ لم يكن سوى قصر اللي ... لة فيها عيبٌ ولا تقصير
قال جحظة: كنت يومًا عند عبد اله بن المعتز، فطلبت نعلي، فلم أجده. فجعلت أقول:
يا قوم من لي بنعلي ... أو في مصحّف نعل
فسار هذا البيت حتى رواه الصبيان.
قال: ودعاني عبيد الله يومًا، فأبطأت عنه، فكتب إلي:
لا تهجر الأمراء من بعدوا على ... فرس الح قيراط
فكتب إليه جحظة:
من كان خادم مثلكم فجواده ... فرس الحفاء ودينه طسّوج
قال جحظة: كنت أعشق جارية في القيان، يقال لها شروين. فسكرت عندي ليلةً، فخرئت في سطلي وحميديتي وانصرفت. فكتب إلي الهداهدي:
قد زارني خلٌّ أسرّ به ... حلو الشمائل راجح العقل
فبحقّ شروين التي خرئت ... في الطست والابريق والسطل
إلا أتيت مبادرًا عجلًا ... وأرحت من نكد ومن مطل
حتى أراك إذا سكرت وقد ... شاركتها في ذلك الفعل!
ولجحظة، إلى ابن طرخان يدعوه:
لنا يا أخي زلةٌ وافره ... وقدرٌ معجّلة حاضره
وما شئت من خبر طيب ... ونادرة بعدها نادره
1 / 4
وراحٍ تريك إذا صفّقت ... سنا البرق في الليلة الماطره
ومحسنةٍ لم يخنها الصواب ... وزامرةٍ أيما زامره
فايت ولو كنت يا ابن الكرام ... وحاشاك من ذاك في الآخره
ألست أدري أين الفؤاد مقيمًا ... يا مكان الفؤاد، أين الفؤاد؟
دفعته الأحشاء عما يليها ... فأذابته حرقةٌ واتقاد
وله:
نأيت فلم ينأ عنه الضّنى ... وعدت فعاد إلى نكسه
وفارقه الصبر في يومه ... لما فاته منك في أمسه
ومستوحشٍ آنسٍ بالبكاء ... على قلبه وعلى انسه
يرقّ هواه لأحشائه ... ويرثي له الشوق من نفسه
دير الثعالب
وهذا الدير ببغداد، بالجانب الغربي منها، بالموضع المعروف بباب الحديد. وأهل بغداد يقصدونه ويتنزهون فيه، ولا يكاد يخلو من قاصد وطارق. وله عيد لا يتخلف عنه أحمد من النصارى والمسلمين.
وباب الحديد، أعمر موضع ببغداد وأنزهه: لما فيه من البساتين والشجر والنخل والرياحين، ولتوسطه البلد وقربه من كل أحد. فليس يخلو من أهل البطالات، ولا يخل به أهل المتطرب واللذاذات. فمواطنه أبدًا معمورة، وبقاعه بالمتنزهين مشحونة.
وقد قالت الشعراء في الدير وباب الحديد وقبرونيا، فأكثروا، ووصفوا حسن تلك المواضع فأطنبوا.
ولابن دهقانة الهاشمي، فيه:
دير الثعالب مألف الضّلال ... ومحلّ كل غزالةٍ وغزال
كم ليلة أحييتها ومنادمي ... فيها أثجّ مقطّع الأوصال
سمحٌ يجود بروحه فإذا مضى ... وقضى سمحت له وجدت بمالي
ونعم دين ابن مريم دينه ... غنجٌ يشوب مجونه بدلال
سقّيته وشربت فضلة كأسه ... فشربت من عذب المذاق زلال
وابن دهقانة هذا، من ولد إبراهيم ب محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ويعرف بأبي جعفر محمد بن عمر. وله شعر مليح. وذكر جحظة أنه أنشده:
أحين قطعت لك الواصلين ... وجدت عليك ولم أبخل
غدرت وأظهرت لي جفوةً ... وجرت عليّ ولم تعدل؟
أأطمع في آخر من هواك ... ولم ترع لي حرمة الأول؟
وذكر جحظة، أنه كان والي البصرة في أيام الزنج، وأنه أخذ من الناجم بها ثلاثين ألف دينار، وسلم إليه البصرة. وكان جحظة يكثر المكث عنده ولا يغبه. قال: فتأخرت عنه في وقت من الأوقات، لعارض عرض لي، فوجه إي يدعوني، فكتبت إليه: أنا والله عليل!
وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنه قد خالط اللحم والدما
فوجه إلي بخمسين دينارًا وخلعة، وقال: هذا يزيل العلة، فبحياتي إلا جئتني! فمضيت إليه.
وذكر جحظة، أنه كان ينادم المعتمد والموفق، وكان عظيم الخلق، ثقيل الجسم، وكان إذا قام الخليفة ورجع، وقام الندماء، نام هو، وقال: هذا عوض القيام لما لم يكن يقدر عليه. وكان أكولًا، فكان يقول: قد أكلت حتى زمنت، وأريد آكل حتى أموت! ومن شعره:
فلو أن في جزعي راحةً ... لأصبحت أجزع من يجزع
سأصبر جهدي على ما ترى ... وإن عيل صبري، فما أصنع؟
وللناشىء، يذكر باب الحديد وقبرونيا:
ما جليدٌ يوم الندى بجليد ... بعدت والمزار غير بعيد
خبّرت عن ضميرها عبراتٌ ... صرن عونًا على الفؤاد العميد
يا ليالي اللذّات بالله عودي ... بين قبرونيا وباب الحديد
بين تلك الربى وقد نسج الو ... بل بكف الربيع ريط البرود
خدّه ضدّ صدغه مثل ما الوع ... د إذا ما اختبرت ضدّ الوعيد
طلب الطبل طايلات من الزّم ... ر وعاد السرور إذ عاد عودي
ومن رقيق شعره:
لم أسل عنك ولم أخنك ولم يكن ... في القلب مني للسلوّ مكان
لكن رأيتك قد مللت مودّتي ... فعلمت أنّ دواءك الهجران
دير الجاثليق
1 / 5
وهذا الدير، يقرب من باب الحديد، وهو دير كبير، حسن، نزه، تحدق به البساتين والأشجار والرياحين. وهو يوازي دير الثعالب في النزهة والطيب وعمارة الموضع، لأنهما في بقعة واحدة. وهو مقصود مطروق، لا يخلو من المتنزهين فيه والقاصدين له. وفيه رهبانه وفتيانه ومن يألف من أهل الخلاعة والبطالة.
وقالت الشعراء فيه ووصفته. ولمحمد بن أبي أمية الكاتب فيه، وفيه لحن خفيف رمل:
لهفي على قمرٍ في الدير مسجون ... في صورة الانس، في مكر الشياطين
والله ما أبصرت عيني محاسنه ... إلاّ خرجت له طوعًا من الدين
وله في هذا الدير أيضًا:
تذكرت دير الجاثليق وفتيةً ... بهم تمّ لي فيه السرور وأسعفا
بهم طابت الدنيا وتم سرورها ... وسالمني صرف الزمان وأنصفا
ألا ربّ يوم قد نعمت بظله ... أبادر من لذات عيشي ما صفا
أغازل فيه أدعج الطرف أهيفا ... وأُسقى به مسكية الطعم قرقفا
فسقيًا لأيام مضت لي بقربهم ... لقد أوسعتني رأفةً وتعطفا
وتعسًا لأيام رمتني بينهم ... ودهرٍ تقاضاني الذي كان أسلفا
ومحمد بن أمية هذا، أحد المتقدمين في الشعر، رقيق الطبع، حسن التصرف فيه، غريب المعاني. وأكثر شعره في الغزل. وكان هو وعلي أخوه يكتبان للفضل ابن الربيع. وهو عم أبي حشيشة الطنبوري.
ومن مليح شعره:
رأيتك حليتي دنيا ودين ... حياةً للضّجيع وللقرين
بدا لي بعدما سبقت يميني ... بهجرك أن أكفّر عن يميني
وله:
لم أسل عنك ولم أخنك ولم يكن ... في القلب مني للسلو مكان
لكن رأيتك قد مللت مودّتي ... فعلمت أن دواءك الهجران
ومن رقيق شعره:
يا غريبًا يبكي لكل غريب ... لم يذق قبلها فراق حبيب
عزّه الصبر فاستراح إلى الدّم ... ع، وفي الدمع راحة للقلوب
ليت يومًا أراك فيه كما كن ... ت قريبًا، فأشتكي من قريب
وله:
رب يوم منك لا أنساه لي ... أوجب الشكر وإن لم تفعل
أقطع الدهر بظن حسنٍ ... وأجلّى غمرةً ما تنجلي
وأرى الأيام لا تُدني الذي ... أرتجي منك وتدني أجلي
كلما أمّلت يومًا صالحًا ... عرض الهجران دون الأمل
ومن نادر شعره:
لأُقيمن مأتمًا عن قريب ... ليس بعد الفراق غير النحيب
أظلمتني فيك الخطوب فلم أق ... وعلى أن أردّ ظلم الخطوب
ربّ، ما أوجع الهوى للقلوب ... لا ولا سيما فراق الحبيب
لم أكن أعرف الفراق فأقدم ... ت عليه غرًّا بلا تجريب
وله أيضًا:
اليوم أثكلني صبري فراقكم ... كذاك أعظم شيء فقد معشوق
قد كنت في فسحةٍ من قبل بينكم ... فاليوم صرت من الأحزان في ضيق
واغتالني زمنٌ قد كنت آمنه ... تعسًا لغدرته من بعد توثيق
إني على العهد لم أنقض مودّتكم ... يا من يرى حسنًا نقض المواثيق
وله:
ما ذاقت النفس على شهوةٍ ... ألذّ من ودّ صديق أمين
من فاته ودّ أخٍ صالح ... فذلك المغبون حقّ اليقين
وله، وهو من مليح شعره:
فيا شوق لا تنفد، ويا دمع فض وزد ... ويا شوق راوح بين جنبٍ إلى جنب
ويا عاذلي لمني، ويا عابد افتني ... عصيتكما حتى أغيّب في الترب
إذا كان ربّي عالمًا بسريرتي ... فما الناس في عيني بأعظم من ربي
وله يصف روضة:
في جنانٍ كأنما نشرت فو ... ق ثراها حريرة خضراء
أعين النرجس الجنيّ نجومٌ ... واخضرار الرياض فيها سماء
للثرى تحتها سباتٌ وللما ... ء خريرٌ وللغصون غناء
وله:
فها أنا مغضٍ في رضاك وصابرٌ ... على مثل مصقول الذبابين قاضب
ومنتزح عما كرهت وجاعلٌ ... رضاك مثالًا بين عيني وحاجبي
وله:
1 / 6
كم فرحةٍ كانت وكم ترحة ... تخرّصتها لي فيك الظنون
إذا قلوبٌ أظهرت غير ما ... تضمره أنبتك عنها العيون
وله:
يُصعّد في الحشا نفسا ... ويسهر إن فتىً نعسا
يظلّ يعالج الزفرا ... ت إن أغفى وإن جلسا
غذا بالشوق مهجته ... وعلل نفسه بعسى
محبٌّ صيّر الشكوى إلى جلسائه أُنسا
وكان أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، يختم أماليه في مجالسه بمقطوع من شعر ابن أبي أمية، استحسانًا له واستعذابًا لألفاظه، ويقرظه دائمًا ويصفه.
دير مديان
وهذا الدير على نهر كرخايا ببغداد. وكرخايا نهر يشق من المحول الكبير ويمر على العباسية، ويشق الكرخ، ويصب في دجلة، وكان قديمًا عامرًا، والماء فيه جاريًا، ثم انطم وانقطعت جريته بالبثوق التي انفتحت في الفرات.
وهو دير حسن، نزه، حوله بساتين وعمارة، ويقصد للتنزه والشرب، ولا يخلو من قاصد وطارق، وهو من البقاع الحسنة النزهة. وللحسين بن الضحاك، فيه:
حُثّ المدام فإن الكأس مترعة ... مما يهيج دواعي الشوق أحيانا
إني طربت لرهبانٍ مجاوبةٍ ... بالقدس بعد هدوّ الليل رهبانا
فاستنفرت شجنًا مني ذكرت به ... كرخ العراق وإخوانًا وأشجانا
فقلت، والدمع في عيني مطردٌ ... والشوق يقدح في الأحشاء نيرانا:
يا دير مديان، لا عرّيت من سكن ... ما هجت من سقم يا دير مديانا
هل عند قسّك من علم فيخبرني ... أن كيف يسعد وجه الصبر من بانا
سقيًا ورعيًا لكرخايا وساكنه ... بين الجنينة والروحاء من كانا
قال: كان أبو علي بن الرشيد، يلازم هذا الدير ويشرب فيه. وكان له قيان يحملهن إليه، ويقيم به الأيام، لا يفتر عزفًا وقصفًا، وكان شديد التهتك! وكان من يجاور الموضع يشكون ما يلقونه منه. فانتهى الخبر إلى إسحق بن إبراهيم الطاهري، وهو خليفة السلطان ببغداد. فوجه إليه يقبح له فعله، وينهاه عن المعاودة لمثله. فقال: وأي يد لاسحق علي؟ وأي أمر له فيّ؟ أتراه يمنعني من سماع جواري، والشرب بحيث أشتهي؟. فلما أتاه هذا القول منه أحفظه وتمهل، حتى إذا كان الليل، ركب إلى الموضع، وأحاط به من جميع جهاته، وأمر أن يفتح باب الدير، وينزل به على الحال التي هو عليها. فأنزل وهو سكران في ثياب مصبغة، وقد تضمخ بالخلوق، فقال له: سوءة لك! رجل من ولد الخلافة على مثل هذه الحال؟. ثم أر، ففرش بساط على باب الدير، وبطح عليه، وضربه عشرين درة، وقال: أن أمير المؤمنين لم يولني خلافته حتى أضيع الأمور وأهملها، ولا حتى أدعك وغيرك من أهل تعرونه وتفضحونه وتخرجون إلى ما خرجت إليه من التبذل والشهرة وهتك الحرمة وإخراجهن إلى الديارات والحانات. وفي تأديبك صيانة للخلافة، وردع لك ولغيرك عن هذه الفضيحة. ثم أمر بعماريات كانت معه، فأركب فيها مع حرمه، ورده إلى داره. فبلغ ذلك المعتصم، فكتب إليه يصوب رأيه وفعله، ويأمره أن لا يرخص لأحد من أهل بيته في مثله.
1 / 7
وأم أبي على هذا، تعرف بشكل. وكان الرشيد قد اشتراها وصاحبةً لها تعرف بشذر في يوم واحد. فحملت شذر وولدت أم أبيها؛ فحسدتها شكل، وبلغ بها الحسد إلى أمر عظيم من العداوة؛ حتى اشتهر ذلك. وحملت شكل وولدت أبا علي. وماتت أماهما؛ وبقيت العداوة بين أبي علي وأم أبيها، حتى بلغ الأمر بها إلى أن تهاجيا بالأشعار، وشاع أمرهما في جميع آل الرشيد! فلما قتل الأمين، وورد المأمون إلى بغداد، جلس يومًا وعمه إبراهيم بن المهدي وأبو إسحق أخوه والعباس ابنه، وتذاكروا العداوة التي بين هذين. فقال: لقد سمعت بخبر عداوتهما بخراسان، ولقد هممت أن أصلح بينهما. ووجه فأحضر أم أبيها، وأقبل يعاتبها وهي مطرقة لا ترد جوابًا. ثم أمر بإحضار أبي علي. فلما رأته أم أبيها، تنقبت وسترت وجهها. فقال المأمون: كنت مسفرةً، فلما حضر أخوك تنقبت؟ قالت: والله يا أمير المؤمنين، لسفوري بين يدي عبد الله بن طاهر وعلي بن هشام أوجب من سفوري لأبي علي! فوالله، ما هو لي بأخ ولا للرشيد بابن! وقد قال الله ﷿ في قريش: الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. قال ابن عباس: آمنهم من البرص والجذام، وهو والله أبرص، وما هو إلا ابن فلان الفراش! فأمر المأمون أخاه أبا إسحق، فجلدها حدًا. فقالت: سوءةً يا أمير المؤمنين أن تحد أختك لابن الفراش، وسننت على بنات الخلفاء الحد! فوالله، لقد ظننت أن أمره يستتر، فأما الآن فوالله ليتناقلنه الرواة وليتحدثن به إلى أن تقوم الساعة!. ونهضت فقال المأمون: قاتلها الله! فلو كانت رجلًا لكانت أقعد بالخلافة من كثير من الخلفاء! وقد أبا علي الصلاة على جنائز أولاد الخلفاء ليدرأ عنه العيب.
ونرجع إلى ذكر إسحق بن إبراهيم، ونورد طرفًا من أخباره، في حزمه وضبطه، بقدر ما يليق بالكتاب.
إسحق هذا، هو ابن أخي طاهر ابن الحسين، ويكنى أبا الحسن. وكان المأمون اصطنعه وولاه خلافة عبد الله بن طاهر بحضرته لما أخرج عبد الله إلى خراسان، وكان أشد الناس تقدمًا عنده واختصاصًا به.
فذكر عبد الله بن خرداذبه، أنه حضر مجلس المأمون يومًا، وقد عرض عليه أحمد بن أبي خالد رقاعًا، فيها رقعة قوم متظلمين من إسحق بن إبراهيم. فلما قرأها المأمون، أخذ القلم وكتب على ظهرها: ما في هؤلاء الأوباش إلا كل طاعن واش! إسحق غربي بيدي، ومن غرسته أنجب ولم يخلف، لا أعدي عليه أحدًا. ثم كتب إلى إسحق رقعة، فيها: من مؤدب مشفق إلى حصيف متأدب. يا بني، من عز تواضع، ومن قدر عفا، ومن راعى أنصف، ومن راقب حذر. وعاقبة الدالة غير محمودة، والمؤمن كيس فطن. والسلام.
وولي إسحق للمأمون، ثم للمعتصم، ثم للواثق، ثم للمتوكل. ومات في أيام المتوكل. فأقام محمدًا ابنه مكانه، فلبث يسيرًا ومات. فاستدعي محمد بن عبد الله بن طاهر من خراسان، ورد إليه ما كان إلى إسحق.
وذكروا أن بعض ولد الرشيد وكان له موضع من النسب ومكان من المعرفة والأدب مرض ببغداد مرضًا طال، ولم يقدر على الركوب واشتهى التفرج والتنزه في الماء. فأراد أن يبني زلالًا يجلس فيه، فمنعه إسحق، وقال: هذا شيء لا نحب أن يعمل مثله إلا بأمر أمير المؤمنين وإذنه. فكتب إلى المعتصم يستأذنه في ذلك، فخرج الأمر إلى إسحق بإطلاقه له. فكتب إسحق: ورد عليّ كتاب من أمير المؤمنين بإطلاق بناء زلال لم يحد لي طوله ولا عرضه، فوقفت أمره إلى أن استطلع الرأي في ذلك. فكتب إليه يحمده على احتياطه، ويحد له ذرع الزلال.
قال: لما انتق المعتصم على سر من رأى، كان الناس في يوم الموكب يغشون دار المأمون، ويقعدون فيها على سبيلهم في حياته إجلالًا للسلطان وتعظيمًا لأمره. فانصرف محمد بن إسحق في يوم من الأيام الحارة، وقد أطال الركوب. واجتاز بدار المأمون، وقد فتل قلنسوته على رأسه مستترًا بها من الشمس، فبلغ أباه ذلك، فضربه معاقبًا له على اجتيازه بباب الخليفة متبذلًا!
1 / 8
وذكر عبد الله بن خرداذبه، أنه خرج يومًا من بين يدي المأمون في أثر إسحق بن إبراهيم، حتى إذا صار إلى الدهليز الثاني، وقف ووقف القواد والناس لوقوفه! ثم قال: أين خليفة علي بن صالح؟، وكان علي ذلك الوقت صاحب أمر الدار والموسوم بالحجبة. فأتي بخليفته، فضربه مائة مقرعة، ثم قال: الحبس!. ثم قال: هاتوا خليفة صاحب البريد. فأتي به، فضربه مائة مقرعة، ثم قال: الحبس!. ثم دعا بعلي بن صالح وبصاحب البريد، وقال لهما: تقلدان خلافتكما في دار الخليفة من يضيع الأمور ويهملها؟ كنتما بهذا الأدب أحق من هذين!. فقالا: وما كان من أمرهما الذي أنكرته، أيها الأمير؟ فقال: صاحب بريد يقعد في دار الخليفة، فيضحك ويقهقه، وصاحب الدار جالس لا ينكر؟ ثم خرج! قال: فكنت أدخل الدار بعدها، فلا أرى فيها ضاحكًا! قال: ودخل إسحق في يوم نوروز إلى المتوكل، والسماجة بين يديه. وعلى المتوكل ثوب وشي مثقل، وقد كثر أصحاب السماجة حتى قربوا منه للقط الدراهم التي تنثر عليهم، وجذبوا ذيله! فلما رأى إسحق ذلك، ولى مغضبًا، وهو يقول: أف وتف! فما تغني حراستنا المملكه مع هذا التضييع!. ورآه المتوكل وقد ولى، فقال: ويلكم! ردوا أبا الحسين، فقد خرج مغضبًا! فخرج الحجاب والخدم خلفه، فدخل وهو يسمع وصيفًا وزرافة كل مكروه، حتى وصل إلى المتوكل. فقال: ما أغضبك، ولم خرجت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عساك تتوهم أن هذا الملك ليس له من الأعداء مثل ما له من الأولياء! تجلس في مجلس يبتذلك فيه مثل هؤلاء الكلاب تجذبوا ذيلك، وكل واحد منهم متنكر بصورة منكرة، فما يؤمن أن يكون فيهم عدو قد احتسب نفسه ديانةً وله نية فاسدة وطوية ردية، فيثب بك! فمتى كان يستقال هذا، ولو أخليت الأرض منهم؟. فقال: يا أبا الحسين، لا تغضب! فوالله لا تراني على مثلها أبدًا. وبني للمتوكل بعد ذلك مجلس مشرف، ينظر منه إلى السماجة.
وذكر موسى بن صالح بن شيخ، أنه كلم إسحق بن إبراهيم في امرأة من أهله، وسأله النظر لها فقال: يا أبا محمد، من قصة هذه المرأة، ومن حالها، ومن بعلها، قال: فوالله إن زال يصفها حتى تحيرت.
قال أبو البرق الشاعر: كان إسحق يجري علي أرزاقًا، فأنشدته يومًا، فسألني عن عيالي، وما احتاج إليه لهم، ثم قال لي: تحتاج عيالك في كل شهر من الدقيق كذا، ومن كذا كذا ... فما زال يخبرني بشيء من أمر منزلي جهلته وعلمه هو! قال: وورد على إسحق كتاب من المعتصم، وهو جالس يشرب، ومعه محمد بن راشد الخناق، وكان خصيصًا به أثيرًا عنده. فما فرغ من قراءة الكتاب حتى قال: سياط وعقابين وجلادين! فأحضر ذلك. فأمر بمحمد بن راشد، فأقيم من مجلسه وشق عنه ونصب في العقابين، وهو يقول: أيها الأمير، ما حالي؟ ما قصتي؟. فقال: الحق الجوهر الذي كان لفلان، من صفته كيت وكيت، تحضرنيه الساعة، وإلا أتيت على نفسك!. فذهب يتلكأ فقال: أوجعوا! فلما أحس بالضرب، قال: أنا أحضره أيها الأمير. قال: وحق أمير المؤمنين، لا برحت مكانك أو تحضره!. فأحضره لوقته. فلما رآه إسحق، سري عنه وأسفر وجهه وقال: هاتوا ثيابًا، فأتي بخلعة، فألبسها. ورده إلى موضعه. وأجاب عن الكتاب، وأنفذ الحق لوقته إلى المعتصم. فقال محمد: أيها الأمير، ما أبعد ما بين الفعلين؟. فقال: ويحك! وفيت الخدمة والنصيحة، ووفيت المودة بعد ذلك حقها.
وذكر أبو حشيشة الطنبوري، قال: كنت يومًا في منزلي، إذ طرق الباب صاحب بريد، وقال: أجب! فلما قال أجب، علمت أنه أمر عال. فلبست ثيابي، ومضيت معه حتى دخلنا دار إسحق بن إبراهيم. فعدل بي إلى ممر طويل فيه حجر متقابلة، تفوح من جميعها روائح الطعام. فأدخلت حجرة منها، وقدم إلي طعام في نهاية النظافة وطيب الرائحة، فأكلت. وجاؤوني بثلاثة أرطال، فشربت. وأحضروا لي صندوقًا فيه طنابير، فاخترت طنبورًا منها، وأصلحته على الطريقة، وأخرجت من الموضع إلى حجرة لم أر أحسن منها. وإذا في مجلسها رجلان جالسان، على أحدهما قباء ملحم وقلنسوة سمورية، وعلى الآخر ثياب خز؛ وستارة مضروبة فيه. فسلمت وأمرت بالجلوس، فجلست. فقال لي صاحب السمورية: غنّ! فغنيت:
ما أُراني إلا سأهجر من لي ... س يراني أقوى على الهجران
ملّني واثقًا بحسن وفائي ... ما أضرّ الوفاء بالانسان
1 / 9
فغنيته، فشرب رطلًا، ونقر الستارة وقال: غنوه! فغني الصوت أحسن غناء في الدنيا، وخلت أن البيت يرقص! فقال لي: كيف ترى؟ قلت: قد والله، يا مولاي، بغضوا إلي هذا الصوت وسمجوه في عيني. فضحك واستعادنيه ثلاث دفعات، يشرب في كل دفعة منها رطلًا. ثم قال: أتعرفني؟ قلت: لا! قال: أنا إسحق بن إبراهيم، وهذا محمد بن راشد الخناق. ووالله، لئن ظهر حديث هذا المجلس منك، لأضربنك ثلثمائة سوط! قم إذا شئت! فقمت من بين يديه، فلحقني الغلام بصرة فيها ثلثمائة دينار، فاجتهدت أن يأخذ منها شيئًا، فأبى! وذكر عمرو بن بانة، قال: وجه إلي إسحق بن إبراهيم في آخر النهار، فصرت إلى داره وأدخلت عليه، وهو جالس في طارمةٍ ملبسة بالخز، على دجلة، وقد انبسط القمر على الروشن وعلى دجلة، وهو من أحسن منظر رأيت قط! والمعينون جميعًا بين يديه، وبذل جالسة وراء مقطع في الطارمة. فلم يزل جالسًا بموضعه، ونحن في يديه، إلى أن نودي بالفجر فقام وقمنا. وقال لنا الغلمان: انصرفوا! فنزلنا إلى الشط، ودعونا بسميرية، فجلسنا جميعًا، وقلت لهم: إن منزلي أقرب من منازلكم، فاجعلوا مقامكم اليوم عندي، ففعلوا. وحصلنا في المنزل، فطلبت فيه شيئًا يؤكل، فلم أجد! فأمرت بإحضار المائدة، فأحضرت فارغة، وطرحت في وسطها مائة درهم صحاحًا وقلت: يوجه كل واحد منكم، فيشتري له ما يريد. فما كان بأسرع من أن امتلأت بكل شيء! فأكلنا وشربنا، ومر لنا يوم طيب، وتفرقنا آخر النهار، وفي قلوبنا غصص مما فعله بنا إسحق، وما فاتنا من تلك الليلة الحسنة في ذلك الموضع الحسن! فمضيت بعد ذلك إلى بذل، وسألتها عن السبب فيما فعله، فقالت: قد سألته عن ذلك، فقال: ويحك! أنا أشتهي الشرب في مثل هذه الليلة منذ سنة، وأدافع نفسي به، فلما حصل لي جميع ما أريده وأشتهيه، أردت أن أري نفسي سلطاني عليها وقهري لها ومنعها مما تحبه، لئلا تقودني إلى ما تريد، ففعلت ما رأيت.
وكان مع ذلك حسن المروءة، كريم النفس. فذكر أبو حشيشة، قال: دعاني في بعض الأيام، فصرت إليه وجلست أغنيه، وعليه دراعة خز خضراء لم أر أحسن منها قط. فجعلت أنظر إليها، وفطن بنظري، فدعا بالخازن وقال: كانوا جاؤونا منذ أيام بعشرة أثواب خز خضر، هذا أحدها، فجئني ببقيتها. فأحضر تسعة أثواب، يتجاوز حسنها كل وصف، فأعطانيها، فبعت من رذالها الثوب بمائة دينار! وقال: طرق أحمد بن يوسف الكاتب، إسحق بن إبراهيم، فقدم إليه كل شيء حسن من الأطعمة والآلة، وضربت الستائر، وأحضرت الفواكه والنبيذ، ومر يوم لم يكن مثله. ثم سأل أحمد أن يكون عنده من الغد، فقال أحمد: يفوتني الصيد. فأحضر جارية وغلامًا وفرسًا لم ير أحسن منهم، وقال: هذا صيدك غدًا. ثم تصنع له من الغد، فرأى أحمد شيئًا لم ير مثله قط.
وقال له إسحق: أمس كان فتوة، واليوم مروة.
وكان المأمون يصير إلى داره، فيقيم عنده الأيام هو وغلمانه وحشمه أنسًا به وثقة بمكانه.
واجتازت يومًا زبيدة في دجلة في حراقتها، فصعدت إلى دار إسحق لبعض حاجتها، فعرض عليها إسحق الطعام، فأمرت بإحضاره، فعجبت مما رأت ومما قدم. وقالت: والله ما كانت بي حاجة إليه، وإنما أردت أن أختبر مروءته، فوجدته أتم الناس مروءةً، هذا من غير تصنع لي ولا علم بمجيئي.
دير أشموني
وأشموني، امرأة بني الدير على اسمها، ودفنت فيه. وهو بقطربل، غربي دجلة. وعيده اليوم الثالث من تشرين الأول، وهو من الأيام العظيمة ببغداد، يجتمع أهلها إليه كاجتماعهم إلى بعض أعيادهم، ولا يبقى أحد من أهل التطرب واللعب إلا خرج إليه، فمنهم في الطيارات ومنهم في الزبازب والسميريات، كل إنسان بحسب قدرته. ويتنافسون فيما يظهرونه هنالك من زيهم، ويباهون بما يعدونه لقصفهم، ويعمرون شطه وأكنافه وديره وحاناته. ويضرب لذوي البسطة منهم الخيم والفساطيط، وتعزف عليهم القيان. فيظل كل إنسان منهم مشغولًا بأمره، ومكبًا على لهوه؛ فهو أعجب منظر وأطيب مشهد وأحسنه! وهناك أيضًا دير يسمى دير الجرجوث وحوله بساتين ومزارع، ومن ضاق به دير أشموني، عدل إليه.
1 / 10