Diwan

ديوان البوصيري

Régions
Égypte
Empires & Eras
Mamelouks

البحر : مديد تام ( أزمعوا البين وشدوا الركابا

فاطلب الصبر وخل العتابا

ودنا التوديع ممن وددنا

أنهم داموا لدينا غضابا

فاقر ضيف البين دمعا مذالا

ياأخا الوجدة قلبا مذابا

فمن اللائم صبا مشوقا

أن بكى أحبابه والشبابا

إنما أغرى بنا الوجد أنا

ما حسبنا لفراق حسابا

وعريب جعلوا بالمصلى

كل قلب يوم ساروا نهابا

عجبا كيف رضوا أن يحلوا

من قلوب أحرقوها قبابا

أضحت الأرض التي جاوروها

يحسد العنبر منها الترابا

لاتكذب خبرا أن سلمى

سحبت بالترب ذيلا فطابا

وكسته حلل الروض حتى

توجت منها الربا والهضابا

Page 1

ابتسمت عن مثل كأس الحميا

نظم الماء عليها حبابا

سمتها لثم الثنايا فقالت

إن من دونك سبلا صعابا

حرست عقرب صدغي خدي

وحمت حية شعري الرضابا

ويح من يطلب من وجنتي ال

ورد أو من شفتي الشرابا

حق من كان لهحب سلمى

شغلا أن يستلذ العذابا

ولمن يمدح خير البرايا

أن يرى الفقر عطء حسابا

وكفاني باتباسثعي طريقا

رغب المختار فيها رغابا

كلما أوتيت منها نصيبا

قلت إني قد ملكت النصابا

يا حبيبا وشفيعا مطاعا

حسبنا أن إليك الإيابا

لم نقل فيك مقال النصارى

إذ أضلوا في المسيح الصوابا

Page 2

إنما أنت نذير مبين

أنزل الله عليك الكتابا

بلسان عربي بليغ

أفحم العرب فعيت جوابا

يطمع الأسماع فيه بيانا

وسنا طبه على العقل يابا

حوت الكتب لبابا وقشرا

وهو حاو من اللباب لبابا

يجلب الدر إلى سامعيه

كلم لم ير فيه اجتلابا

أشرقت أنواره فرأينا الرأ

س رأسا والذنابي ذنابا

ورأى الكفار ظلا فضلوا

ويحهم ظنوا السراب الشرابا

وإذا لم يصح باعلم ذوق

وجد الشهد من الجهل صابا

كيف يهدي الله منهم عنيدا

كلما أبصر حقا تغابى

وإذا جئت بآيات صدق

لم تزدهم بك إلا ارتيابا

Page 3

أنت سر الله في الخلق والس

ر على العمى أشد احتجابا

عاقب ماح محا الله عنك

بك ما نحذر منه العقابا

خصه الله بخلق كريم

ودعا الفضل له فاستجابا

وله من قاب قوسين ما شر

ف قوسين بذكر وقابا

من دنو وشهود وسر

بان عنه كل واش وغابا

وعلوم كشفت كل لبس

وجلت عن كل شمس ضبابا

لم ينلها باكتساب وفضل الل

ه ماليس ينال اكتسابا

وإذا زار حبيب محبا

لاتسل عن زائر كيف آبا

كل من تابعه نال منه

نسبا من كل فضل قرابا

شرف الأنساب طوبى لأصل

ولفرع حاز منه انتسابا

Page 4

دينه الحق فدع ما سواه

وخذ الماء وخل السرابا

جعل الزهد له والعطايا

والتقى والبأس والبر دابا

أنقذ الهلكى وربى اليتامى

وفدى الأسرى وفك الرقابا

بصر العمى فياليت عيني

ملئت من أخمصيه ترابا

أسمع الصم فمن لي بسمعي

لو تلقى لفظه المستطابا

ودعا الهيجاء فارتاحت الس

مر اهتزازا والسيوف انتدابا

تطرب الخيل برقع فتختا

ل إلى الحرب وتعدوا طرابا

من عتاق ركبتها كماة

لم يخافوا للمنون ارتكابا

كل ندب لو حكى غربه السي

ف لما استصحب سيف قرابا

قاطع الأهلين في الله جهرا

لم يخف لوما ولم يخش عتابا

Page 5

لم يبال حين يغدو مصيبا

في الوغى أو حين يغدوا مصابا

من حماة نصروا الدين حتى

أصبح الإسلام أحمى جنابا

رفعوا الإسلام من فوق خيل

أركبت كل عقاب عقابا

خضبوا البيض من الهام حمرا

ما تزال البيض تهوى الخضابا

لم يريدوا بذكور جلوها

للحروب العون إلا الضرابا

أرغم الهادي أنوف الأعادي

برضاهم وأذل الرقابا

فأطاعته الملوك اضطرارا

وأجابته الحصون اضطرابا

وصناديد قريش سقاها

حتفها سقي اللقاح السقابا

حلبوا شطريه في الجود والبأ

س فأحلى وأمر الحلابا

وجدوا أخلاف أخلاقه في الخص

ب والجدب تعاف الخصابا

Page 6

درها أطيب در فإن أم

كنك الحلب فراع العطابا

جيش الجيش وسرى السرايا

ودعا الخيل عقاقا عرابا

وهو المنصور بالرعب لو شا

ء لأغنى الرعب عنها ونابا

لو ترى الأحزاب طاروا فرارا

خلتهم بين يديه ذبابا

أولم تعجب له وهو بحر

كيف يستسقي نداه السحابا

كانت الأرض مواتا فأحيا

بالحيا منها الموات انسكابا

نزعت عنها من المحل ثوبا

وكستها من رياض ثيابا

سيد كيف تأملت معنا

ه رأت عيناك أمرا عجابا

من يزره مثقلا بالخطايا

عاد مغفور الخطايا مثابا

ذكره في الناس ذكر جميل

قال للكونين طيبا فطابا

Page 7

وسع العالم علما وجودا

فدعا كلا وأرضى خطابا

فتحلت منه قوم عقودا

وتحلت منه قوم سخابا

ليتني كنت فيمن رآه

أتقى عنهالأذى والسبابا

يوم نالته بإفك يهود

مثلما استنبح بدر كلابا

فادعني حسان مدح وزدني

إنني أحسنت منه المنابا

يارسول الله عذرا إذا هب

ت مقاما حقه أن يهابا

إنني قمت خطيبا بمدحي

ك ومن يملك منه الخطابا

وتراميت به في بحار

مكثرا أمواجها والعبابا

بقواف شرعت لأعادي

وجدوها في نفوس حرابا

هي أمضى من ظبي البيض حدا

في أعاديك وأنكى ذبابا

Page 8

فارضه جهد محب مقل

صانه حبك من أن يعابا

شاب ففي الإسلام لكن له في

ك فؤاد حبه لن يشابا

يتهنى بالأماني إنه

ه قبل ممات أنابا

كلما أوسعه الشيب وعظا

ضيق الخوف عليه الرحابا

ضيع الحزم وفيه شباب

وأتى معتذرا حين شابا

وغدا من سوء ماقد جناه

نادما يقرع سنا ونابا

أفلا أرجو لذنبي شفيعا

مارجاه قط راج فخابا

أحمد الهادي الذي كلما جئ

ت إليه مستثيبا أثابا

فاعذروا في حب خير البرايا

إن غبطنا أو حسدنا الصحابا

إن بدا شمسا وصاروا نجوما

وطمى بحرا وفروا ثغابا

Page 9

أقلعت سحب سفنهم سجالا

من علوم ووردنا انصبابا

وغدونا بين وجد وفقد

يعظم البشرى به والمصابا

وتبارأنا من النصب والرف

ض وأوجبنا لكل جنابا

إن قوما رضى الله عنهم

مالنا نلقى عليهم غضابا

إنني في حبهم لا أحابي

أحدا قط ومن ذا يحابى

صلوات الله تترى عليه

وعليهم طيبات عذابا

يفتح الله علينا بها من

جوده والفضل بابا فبابا

ماانتضى الشرق من الصبح سيفا

وفرى من جنح ليل إهابا

Page 10

البحر : وافر تام

بمدح المصطفى تحيا القلوب

وتغتفر الخطايا والذنوب

وأرجو أن أعيش به سعيدا

وألقاه وليس علي حوب

نبي كامل الأوصاف تمت

محاسنه فقيل له الحبيب

يفرج ذكره الكربات عنا

إذا نزلت بساحتنا الكروب

مدائحه تزيد القلب شوقا

إليه كأنها حلي وطيب

وأذكره وليل الخطب داج

علي فتنجلي عني الخطوب

وصفت شمائلا منه حسانا

فما أدري أمدح أم نسيب

ومن لي أن أرى منه محيا

يسر بحسنه القلب الكئيب

كأن حديثه زهر نضير

وحامل زهره غصن رطيب

ولي طرف لمرآه مشوق

ولي قلب لذكراه طروب

Page 11

تبوأ قاب قوسين اختصاصا

ولا واش هناك ولا رقيب

مناصبه السنية ليس فيها

لإنسان ولا ملك نصيب

رحيب الصدر ضاق الكون عما

تضمن ذلك الصدر الرحيب

يجدد في قعود أو قيام

له شوقي المدرس والخطيب

على قدر يمد الناس علما

كما يعطيك أدوية طبيب

وتستهدي القلوب النور منه

كما استهدى من البحر القليب

بدت للناس منه شموس علم

طوالع ما تزول ولا تغيب

وألهمنا به التقوى فشقت

لنا عما أكنته الغيوب

خلائقه مواهب دون كسب

وشتان المواهب والكسوب

مهذبة بنور الله ليست

كأخلاق يهذبها اللبيب

Page 12

وآداب النبوة معجزات

فكيف ينالها الرجل الأديب

أبين من الطباع دما وفرثا

وجاءت مثل ما جاء الحليب

سمعنا الوحي من فيه صريحا

كغادية عزاليها تصوب

فلا قول ولا عمل لديها

بفاحشة ولا بهوى مشوب

وبالأهواء تختلف المساعي

وتفترق المذاهب والشعوب

ولما صار ذاك الغيث سيلا

علاه من الثرى الزبدالغريب

فلاتنسب لقول الله ريبا

فما في قول ربك ما يريب

فإن تخلق له الأعداء عيبا

فقول العائبين هو المعيب

فخالف أمتي موسى وعيسى

فما فيهم لخالقه منيب

فقوم منهم فتنوا بعجل

وقوما منهم فتن الصليب

Page 13

وأحبار تقول له شبيه

ورهبان تقول له ضريب

وإن محمدا لرسول حق

حسيب فينبوته نسيب

أمين صادق بر تقي

عليم ماجد هاد وهوب

يريك على الرضا والسخط وجها

تروق به البشاشة والقطوب

يضيء بوجهه المحراب ليلا

وتظلم في النهار به الحروب

تقدم من تقدم من نببي

نماه وهكذا البطل النجيب

وصدقه وحكمه صبيا

من الكفار شبان وشيب

فلما جاءهم بالحق صدوا

وصد أولئك العجب العجيب

شريعته صراط مستقيم

فليس يمسنا فيها لغوب

عليك بها فإن لها كتابا

عليه تحسد الحدق القلوب

Page 14

ينوب لها عن الكتب المواضي

وليست عنه في حال تنوب

ألم تره ينادي بالتحدي ~

~ عن الحسن البديع به جيوب

ودان البدر منشقا إليه

وأفصح ناطقا عير وذيب

وجذع النخل حن حنين ثكلى

له فأجابه نعم المجيب

وقد سجدت له أغصان سرح

فلم لا يؤمن الظبي الربيب

وكم من دعوة في المحل منها

ربت واهتزت الأرض الجديب

وروى عسكرا بحليب شاة

فعاودهم به العيش الخصيب

ومخبول أتاه فثاب عقل

إليه ولم نخله له يثوب

وما ماء تلقى وهو ملح

أجاج طعمه إلا يطيب

Page 15

وعين فارقت نظرا فعادت

كما كانت ورد لها السليب

وميت مؤذن بفراق روح

أقام وسريت عنه شعوب

وثغر معمر عمرا طويلا

توفي وهو منضود شنيب

ونخل أثمرت في دون عام

فغار بها على القنو العسيب

ووفى منه سلمان ديونا

عليه ما يوفيها جريب

وجرد من جريد النخل سيفا

فقيل بذاك للسيف القضيب

وهز ثبير عطفيه سرورا

به كالغصن هبته الجنوب

ورد الفيل والأحزاب طير

وريح مايطاق لها هبوب

وفارس خانها ماء ونار

فغيض الماء وانطفأ اللهيب

وقد هز الحسام عليه عاد

بيوم نومه فيه هبوب

Page 16

فقام المصطفى بالسيف يسطو

على الساطي به وله وثوب

وريع له أبو جهل بفحل

ينوب عن الهزبرله نيوب

وشهب أرسلت حرسا فخطت

على طرس الظلام بها شطوب

ولم أر معجزات مثل ذكر

إليه كل ذي لب ينيب

وما آياته تحصى بعد

فيدرك شأوها مني طلوب

طفقت أعد منها موج بحر

وقطرا غيثه أبدا يصوب

يجود سحابهن ولا انقشاع

ويزخر بحرهن ولا نضوب

فراقك من بوارقها وميض

وشاقك من جواهرها رسوب

هدانا للإله بها نبي

فضائله إذا تحكى ضروب

وأخبر تابعيه بغائبات

وليس بكائن عنه مغيب

Page 17

ولا كتب الكتاب ولا تلاه

فيلحد في رسالته المريب

وقد نالوا على الأمم المواضي

به شرفا فكلهم حسيب

وما كأميرنا فيهم أمير

ولا كنقيبنا لهم نقيب

كأن عليمنا لهم نبي

لدعوته الخلائق تستجيب

وقد كتبت علينا واجبات

أشد عليهم منها الندوب

وما تتضاعف الأغلال إلا

إذا قست الرقاب أو القلوب

ولما قيل للكفار خشب

تحكم فيهم السيف الخشيب

حكوا في ضرب أمثلة حميرا

فواحدنا لألفهم ضروب

وما علماؤنا إلا سيوف

مواض لاتفل لها غروب

سراة لم يقل منهم سري

ليوم كريهة يوم عصيب

Page 18

ولم يفتنهم ماء نمير

من الدنيا ولا مرعى خصيب

ولم تغمض لهم ليلا جفون

ولا ألفت مضاجعها جنوب

يشوقك منهم كل ابن هيجا

على اللأواء محبوب مهيب

له من نقعها طرف كحيل

ومن دم أسدها كف خضيب

وتنهال الكتائب حين يهوى

إليها مثل ما انهال الكثيب

على طرق القنا للموت منه

إلى مهج العدا أبدا دبيب

يقصد في العدا سمر العوالي

فيرجع وهو مسلوب سلوب

ذوابل كالعقود لها اطراد

فليس يشوقها إلا التريب

يخر لرمحه الرومي أني

تيقن أنه العود الصليب

ويخضب سيفه بدم النواصي

مخافة أن يقال به مشيب

Page 19

له في الليل دمع ليس يرقا

وقلب ما يغب له وجيب

رسول الله دعوة مستقيل

من التقصير خاطره هبوب

تعذر في المشيب وكان عيا

وبرد شبابه ضاف قشيب

ولا عتب على من قام يجلو

محاسن لا ترى معها عيوب

دعاك لكل معضلة ألمت

به ولكل نائبة تنوب

وللذنب الذي ضاقت عليه

به الدنيا وجانبها رحيب

يراقب منه ما كسبت يداه

فيبكيه كما يبكي الرقوب

وأني يهتدي للرشد عاص

لغارب كل معصية ركوب

يتوب لسانه عن كل ذنب

ولم ير قلبه منه يتوب

تقاضته مواهبك امتداحا

وأولى الناس بالمدح الوهوب

Page 20