Études sur les courants littéraires et sociaux
دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية
Genres
ومن الجائز أن تسمى هذه المدرسة بالمدرسة الإنسانية؛ لأن المعول فيها على سليقة الإنسان، فهي إذا طالبت الشاعر بشيء فكل ما تطلبه منه أن يكون إنسانا صادق الشعور صادق التعبير، وليقل بعد ذلك ما يشاء في كل زمن، وفي كل موضوع. «فعبر عن شعورك الإنساني» هو الشعار الوحيد الذي اتخذته هذه المدرسة في مذهب التجديد، وهو الشعار الذي اتخذه كاتب هذه السطور؛ لأنه من دعاة هذه المدرسة منذ ظهورها في الربع الأول من القرن العشرين.
وليس معنى هذا الشعار إلغاء الفوارق الوطنية والإقليمية، أو استنكار النظم في موضوع من الموضوعات التي يطوقها الشعراء في كل لغة، وإنما معناه «أن صدق التعبير عن الشعور الإنساني هو التجديد الحق الذي يعصم صاحبه من التقليد والمحاكاة»؛ لأنه يقول ما يحسه، ومن قال ما يحسه فما هو بمقلد لأحد كائنا ما كان الموضوع الذي ينظم فيه.
فمن ركب الجمل في القرن العشرين واجتاز به الصحراء ثم وصف مركبه هذا فهو شاعر مجدد، وإن كان موضوعه مشابها لموضوع طرفة بن العبد وامرئ القيس.
واختلاف الشعر بين الأوطان والأقاليم فارق طبيعي حاصل بطبعه من غير حاجة إلى القواعد والأصول التي تفرض على الشعراء.
فالشاعر الإنجليزي الذي يصف الهرم، أو يصف النيل، أو يتكلم عن رمسيس، لا يصبح مصري الشعر ولا مصري الشعور؛ لأن موضوعاته مصرية، والشاعر العربي يصف شلال نياجرا أو غاب بولون لا يزال عربيا في سليقته وتفكيره وإن ذهب بخياله إلى أمريكا أو فرنسا، فلا فكاك له من طبعه الأصيل ولا حاجة إلى فرض طبيعة الإقليم عليه.
وقد كان لهذه المدرسة أثر في قوالب الشعر كما كان لها أثر في معانيه، فأطلقت من قيود القافية بعض الإطلاق، وتصرفت في الأوزان والبحور مع ملاحظة العروض كما يلاحظه الأقدمون.
مضت مدرسة التجديد على هذا النحو قدما منذ نشأتها قبل أكثر من ثلاثين سنة، ولكنها على ذلك تمثل الشعر الحديث في ناحية منه ولا تمثله في جميع نواحيه؛ لأن من الشعراء في هذا العصر من ينزع إلى المذهب السلفي مع التصرف والابتكار، ومنهم من ينظم للغناء ومصاحبة التمثيل في الصور المتحركة والروايات المسرحية، وتدعوه مجاراة الجمهور المسرحي إلى نمط من الشعر لا يكاد يختلف في مادته عن مادة الموال أو الزجل الذي يشيع بين الجماهير.
ومما تقدم يبدو أننا قصرنا القول غالبا على التجديد في قطر واحد وهو البلاد العربية.
إلا أن الشعر الحديث في الأقطار العربية الأخرى يختلف في وجهته قليلا أو كثيرا من هذه الوجهة المصرية، ويستحق في هذا المقام تنويها خاصا به على حسب الموطن الذي ينتمي إليه.
فهناك مدرسة العراق، وهي في الحقيقة مدرستان متجاورتان: إحداهما يصح أن نسميها بمدرسة الشريف الرضي، وهي أقرب إلى المحافظة والجزالة في الأسلوب والأخرى يصح أن نسميها المدرسة النواسية وهي أقرب إلى الانطلاق واللهجة العصرية، وكلتاهما مدرسة قوية تنظم الشعر في مختلف الأغراض، قد أضافتا إلى ثروة الشعر العربي ولا تزالان تضيفان إليه.
Page inconnue