62
لا، ليس في مستطاع الإنسان أن يدرك في نفسه «قوة» كهذه، وكل ما يدركه إذ هو يقوم بفعل إرادي، هو عزمه الإرادي من ناحية، ثم الحركة الجسدية المترتبة على ذلك العزم من ناحية أخرى؛ وأعيد القول بأنه ليس في الإرادة ذاتها ما يدل على أنها لا بد أن تتبعها حركة الجسم تنفيذا لعزمها؛ بدليل أننا لا نستطيع أن نحرك بالإرادة إلا بعض أجزاء الجسم دون بعضها الآخر؛ ولو سئلنا قبل الخبرة: أي أجزاء الجسم في مستطاع الإرادة تحريكه، وأيها تعجز الإرادة عن تحريكه؟ لما كان في وسعنا أن نجيب؛ إذ لا بد أن ننتظر الخبرة لتدلنا ماذا نستطيع تحريكه من أجزاء الجسم بالإرادة، وماذا لا نستطيع؛ لماذا يكون للإرادة قدرة تحريك اللسان والأصابع ولا يكون لها قدرة تحريك القلب والكبد؟ كنا نجيب عن هذا السؤال لو كان لنا علم بقوة معينة موجودة في الحالة الأولى وغائبة في الحالة الثانية، لكن ليس لدينا مثل هذا العلم؛ نعم، لو كان لنا علم بقوة باطنية معينة - كما يزعم الزاعمون - لعلمنا بالتالي، وقبل الخبرة، ماذا تستطيع تلك القوة وماذا لا تستطيعه.
إن من يصيبه الشلل بغتة في ساق له أو ذراع، ليحاول بإرادته أن يحرك العضو المصاب كما ألف أن يحركه من قبل؛ إنه يحاول ذلك وهو على أتم وعي بعزمه الإرادي، تماما كما كان على وعي بعزمه الإرادي حين كان يريد تحريك ساقه أو ذراعه قبل أن يصيبهما شلل؛ ولو كانت هذه القوة المزعومة (التي تربط بين الإرادة وفعلها) مما يستطيع الإنسان إدراكه، لعرف هذا المشلول قبل محاولته الإرادية في تحريك العضو المصاب أنه لن يستطيع ذلك لأن القوة قد غابت عنه؛ لكنه لا يدرك هذا العجز إلا بعد أن يحاول دون جدوى؛ ومعنى ذلك أن الخبرة وحدها هي التي تدلنا إن كان العزم الإرادي سيصحبه الفعل المعين أو لا يصحبه، وليس في العزم الإرادي نفسه ما يدل على ذلك قبل الخبرة؛ الخبرة وحدها هي الدالة على أن حدثا معينا يتبع حدثا، دون أن تدلنا على موضع الرابطة الخفية التي تربط بين الحدثين بحيث تجعل الحدث الثاني أمرا محتوما في تبعيته للحدث الأول.
63
وما قلناه عن الإرادة في تحريكها لجزء من أجزاء البدن، من حيث إننا ندرك الطرفين ولا ندرك ما بينهما من رابطة، نقوله أيضا عن الإرادة واستحداثها لفكرة معينة، ذلك أنك قد تستطيع بعزيمة إرادية أن تحضر إلى الذهن فكرة لم تكن حاضرة فيه؛ وها هنا كذلك يمكنك أن تدرك عزمك الإرادي من ناحية، والفكرة التي استحضرتها إلى ذهنك من ناحية أخرى، ولكنه محال عليك أن تدرك الرابطة التي بينهما؛
64
وإذن فكل ما يجوز لك أن تتحدث عنه هو طرف السبب وطرف المسبب أما أن العلاقة بينهما هي كذا أو كيت فمما يجاوز حدود مستطاعك.
وكما أن الإرادة في استحداثها لحركات الجسد محدود بحدود، بحيث يمكنها تحريك بعض الأعضاء دون بعضها الآخر لعلة لا ندريها سوى أن الخبرة هكذا تدلنا على الإرادة وحدود فعلها؛ فكذلك الإرادة في استحضارها للأفكار في الذهن محدودة أيضا بحدود، فيمكنها أن تستحضر هذه الفكرة ولا يمكنها أن تستحضر تلك، لعلة لا ندريها، سوى أن هذه هي خبرتنا وما تدل عليه، إننا لنلاحظ عن أنفسنا أننا أقدر على استحضار الأفكار في أذهاننا في بعض الحالات دون بعضها، فنحن أقدر في حالة الصحة منا في حالة المرض، وأقدر في حالة هضم الطعام منا في حالة التخمة، فهل يستطيع أحد أن يدلنا على علة هذا كله غير معتمد على خبرته؟ هل يستطيع أحد أن يسبق الخبرة بحيث يقرر بادئ ذي بدء أنه أقدر على استحضار أفكاره في حالة الجوع منه في حالة الشبع؟ أم لا بد له أن ينتظر خبرته لنفسه وهو جائع ثم خبرته لنفسه وهو مليء، ليقول بعدئذ عما قد عرفه في نفسه بالخبرة ... وإذن فالخبرة وحدها هي المصدر الذي نستقي منه العلم بأن كذا من الظواهر يتبع كيت، دون أن نعلم شيئا قط عن علاقة ضرورية تربط بينهما ربطا محتوما يجعل الطرف الأول وحده كافيا للدلالة على أن الطرف الثاني سيتبعه، سواء وقع لنا ذلك في الخبرة السابقة أو لم يقع.
إنه لا مراء في أن الإرادة فعل عقلي نحن له مدركون، فتدبر لنفسك هذه الإرادة ماذا تكون؟ أدرها في فكرك لتنظر إليها من شتى نواحيها، فهل تجد فيها ما يجعلها قوة خالقة تخلق الفكرة الجديدة من عدم؟ هل تجد لها قدرة هي كقدرة خالقها الذي أوجد ظواهر الطبيعة من لا شيء؟ الحق أن الإنسان مهما تأمل إرادته فلن يجد فيها شيئا كهذا، وهو بحاجة دائما إلى خبرة يمارسها ليعلم ماذا في وسع الإرادة أن تستحدثه وماذا يجاوز وسعها.
65
Page inconnue