في الهندسة لا يشق على الباحث أن يضع مكان الكلمة تعريفها في أي موضع من أي سياق؛ فأينما وجد كلمة «مثلث» - مثلا - استطاع أن يضع مكانها «سطح مستو محوط بثلاثة خطوط مستقيمة»؛ كما لا يشق عليه أن يقرن الكلمة إلى الشكل الذي جاءت الكلمة لتسميه؛ فلا موضع لتردد أو خلاف؛ أما ما يدور في النفس من عواطف، وأما ما يختلج به العقل من عمليات، فعلى الرغم من أن كل واحدة منها لها ما يميزها من سواها فإن الفوارق بينها لا تعصمنا من خلط إحداها بالأخرى؛ وليس في مستطاعنا دائما أن نستعيد لأنفسنا الأصل الانطباعي الذي عنه نشأت هذه العاطفة أو تلك، وقامت هذه العملية العقلية أو تلك؛ وهكذا يتسرب غموض المعنى إلى أمثال هذه الأفكار، حتى لتختلط علينا الأشباه فنظن الواحدة منها هي عين الأخرى حين لا تكونان إلا شبيهتين مع اختلاف من بعض الوجوه؛ وينتهي بنا الأمر إلى نتائج هي أبعد ما تكون النتيجة عن مقدماتها التي تبررها.
56
على أننا إذا ما وازنا بين العلوم الرياضية من جهة والعلوم الأخلاقية من جهة أخرى؛ استطعنا أن نقرر في ثقة بأن بكل منهما من المزايا والنقائص ما يعوض بعضه بعضا فيتعادلا؛ فلئن كان في إمكان العقل أن يحتفظ بالأفكار الرياضية - كما في الهندسة مثلا - واضحة محددة، دون أن يجد في سبيل ذلك عسرا، فلا بد له من جهة أخرى أن يجتاز في انتقاله من فكرة إلى فكرة طريقا طويلة كثيرة الخطوات دقيقة الثنايا والانحناءات، لكي يضمن لنفسه الصواب؛ ولئن كانت الأفكار الأخلاقية قمينة أن تنحدر بنا إلى الخلط والغموض، فهي مقابل ذلك لا تكلفنا عناء كبيرا في انتقالنا من فكرة من أفكارها إلى فكرة أخرى؛ إذ المراحل التي يجتازها العقل من المقدمة إلى النتيجة أقل جدا من المراحل التي يجتازها إذا ما كان بصدد علم رياضي.
57
ومهما يكن من أمر، فإن العقبة الكأداء في سبيل ارتقائنا في العلوم الأخلاقية أو الميتافيزيقية، هي غموض أفكارها وتعدد معاني ألفاظها؛ فإذا كانت الفلسفة الأخلاقية قد تلكأت في تقدمها عن العلوم الرياضية والطبيعية، فذلك معناه أننا يجب أن ننفق مجهودا أكبر وعناية أكثر لإزالة ما يعوق تقدمها من عقبات .
58
ولئن كانت الميتافيزيقا بصفة عامة متصفة بالغموض، فليس فيها ما هو أشد غموضا وما هو أبعد عن اليقين من كلمات مثل «قوة» أو «طاقة» أو «رابطة ضرورية»، وهي كلمات لا غنى لنا عنها في هذا المجال؛ فلا بد لنا - إذن - أن نحاول تحديد هذه الألفاظ تحديدا يزيل عنها الغموض.
ونبدأ بتقرير هذه الحقيقة الآتية التي أسلفنا الحديث فيها، «والتي لا أظنها موضع اختلاف كبير»
59
عند أصحاب الرأي، وهي أن أفكارنا كلها ليست سوى صور من انطباعاتنا؛ أو بعبارة أخرى إنه مستحيل علينا أن «نفكر» في شيء لم يكن قد سبق لنا أن «أحسسناه» بإحدى الحواس الظاهرة أو الباطنة؛ فإذا كانت لدينا فكرة مركبة، واستطعنا تعريفها بسلسلة من ألفاظ وعبارات، كان ذلك نفسه معناه أننا نحاول أن نحصي ما فيها من أفكار بسيطة، بحيث يكون لكل فكرة بسيطة منها الانطباع الحسي الذي يقابلها باعتباره مصدرا لها»؛ إن الفكرة المركبة لتتضح وضوحا تاما كاملا محددا إذا حللناها إلى أفكارها البسيطة التي منها ركبت، ثم إذا التمسنا لكل واحدة من هذه الأفكار البسيطة مصدرها الحسي؛ ذلك لأن الانطباع الحسي محدد واضح لا تعدد لمعناه؛ وهكذا يكون رد الفكرة المركبة إلى مقوماتها البسيطة، بحيث نعود فنرد كل واحد من هذه المقومات إلى الانطباع الحسي الذي هو أصله ومصدره، بمثابة المجهر الذي نتعقب به دقائق أفكارنا الأخلاقية أو الميتافيزيقية لنميز زائفها من صحيحها.
Page inconnue