Le Grand Guide
الدليل الكبير
الدليل الكبير
Page 191
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وبه نستعين ، وصلواته على خير خلقه أجمعين ، سيدنا محمد (1) وأهل بيته الطاهرين ، وسلم تسليما.
قال الحسين بن القاسم بن إبراهيم : سألت أبي يوما رحمة الله عليه ، عن ما يقال للزنادقة والملحدين ، فيما يسألون عنه من الدليل على الله رب العالمين ، تقدست أسماؤه ، وجل ثناؤه؟!
فقال : سألت يا بني عن أكرم مسائل السائلين ، وعن ما بجهله هلك أكثر قدماء الأولين ، فتخبط فيه منهم عماية من تخبط ، وأفرط بجهله فيه منهم من أفرط ، بغير ما حجة ولا برهان لمنكرهم في إنكاره ، ولا عدم دليل مبين فيما هلك به من احتياره (2)، إلا ما اتبعوا من مضل أهواء الأنفس ، وضلوا به لتقليد أسلافهم من غواة الجن والإنس.
وحجج الله عليهم تبارك وتعالى في العلم به قائمة ظاهرة ، وشواهد معرفته سبحانه لكل من خالفها بإنكار أو احتيار (3) غالبة قاهرة. فالحمد لله ذي الغلبة والسلطان القاهر ، ولمعرفته والعلم به الحجة والبرهان الزاهر.
Page 193
[دليل الحكمة والإتقان] (1)
فدليل العلم بالله يا بني وأعصم (2) أسبابه ، وأقرب ما جعل للعلم به من مداخل أبوابه ، ما أظهر في الأشياء سبحانه من آثار الحكمة المتقنة ، التي لا تكون إلا من مؤثر متقن ، وأبان في الأشياء من شواهد التدبير الحسنة المحكمة ، التي لا تكون إلا من حكيم محسن ، كما قال سبحانه : ( ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) (9) [السجدة : 6 9]. فكل ما ذكره سبحانه
Page 194
فجعائل لا بد لها من جاعل ، وفعائل لا تقوم أبدا إلا بفاعل ، ولن يوجد جاعلها وفاعلها إلا الله سبحانه ذو الأسماء الحسنى ، البريء من مشابهة الجعائل والفعائل في كل معنى.
ومن أسباب العلم به ودلائله ، بعد الذي أبان من أثر التدبير في جعائله ، أوثق وثائق (1) الأسباب ، مما فطر عليه بنية الألباب ، من العلم البت (2)، واليقين المثبت ، الذي لا يعتري فيه بحقيقة شك ولا مرية ، ولا تعترض فيما جعل من بصائره شبهة معشية (3)، من أن لكل ما أحس أو عقل ، مما أثر سبحانه وجعل ، خلاقا (4) متيقن معلوم ، لا تدركه الحواس ولا الوهوم. يعقل ويعرف بخلاف ما عقلت به الأشياء وعرفت ، فتخالفه ويخالفها بغير ما به في نفسها اختلفت. فهذان أصلان (5) مجملان ، لمعرفة الله عز وجل ثابتان ، وشاهدان عدلان ، على العلم بالله باتان.
[وسائل المعرفة]
ولن يخلو العلم بالله ، والوصول إلى المعرفة بالله (6)، من أن يكون مدركا :
بمباشرة حس فيكون كمحسوس ،
أو يدرك بمباشرة (7) نفس فيكون كبعض ما يدرك من النفوس.
1 وجود المخلوقات المحكمة المتقنة التي لا بد لها من خالق.
2 أن خالقها يجب أن يختلف عنها وأن يعرف بخلاف ما به عرفت.
Page 195
وليعلم من وصل إليه كتابنا هذا في ذكر درك النفس أن فلاسفة الروم ، يزعمون : أن للنفس دركا ليس بدرك الحواس ولا درك الوهوم. ولا سيما عندهم إذا كانت النفس معراة من الأجسام ، ومبرأة مما هي عليه من أوعية الأجرام (1).
أو يدرك من وهم جائل (2)، فيكون كمتوهم بالمخايل (3).
أو يكون دركه سبحانه بظن ، فيكون دركه كالمتظنن (4)، الذي يصيب فيه الظن مرة ويخطي ، ويسرع المتظنن بظنه فيه ويبطئ.
أو يدرك من دليل مبين ، فيكون مدلولا عليه ببت يقين.
أو يكون مدركا سبحانه بحال واحدة دون أحوال ، أو بما (5) يمكن اجتماعه من كل ما وصفنا من الخلال.
أو مدركا بجميع ما قلنا وحددنا ، ووصفنا من الأمور كلها وعددنا.
والإمام القاسم هنا ينقد الفلاسفة اليونان في تعريفهم للنفس حيث ذهب بعضهم إلى ((أنها ليست بجسم ، وإنما هي جوهر بسيط محرك للبدن))، وهو أفلاطون ، وطالما أنها ليست جسما فهي لا تدرك ، كما أن أدوات الإدراك الحسي والعقلي ليست مما تدرك به النفس الأشياء ، وإذا هي تدرك بشيء خارج عن ذلك ، وهو ما يرفضه الإمام القاسم ، فالإدراك إما حسي أو عقلي ، أو حسي عقلي معا ، وليست هناك طريق أخرى للإدراك سوى ذلك ، أما الإدراك الباطني الإلهامي الحدسي الذي يطبع في النفس الإنسانية فهو ظني وغير قطعي ، وهو طريق لا يستقل بذاته عند المعرفة ، ولا يصلح أن يكون طريقا لمعرفة الله. يبقى هنا الإشارة بنقد الإمام القاسم للفلاسفة اليونان ، وهو دليل قاطع على معرفته ، وهضمه للفلسفة القديمة ، ونقده لها في مقابل ما يملكه من معرفة إسلامية راسخة ، لها قواعدها ومفاهيمها آن ذاك ، والتي في ضوءها رفض كون النفس جوهرا ليس بجسم ، لأن الأشياء إما أجسام أو غير أجسام ، والأجسام هي العالم والكون بما فيه ، وكل محدث ، وغير الجسم هو الله ، والأجسام لا تدرك إلا عن طريق أدوات معرفية محددة ومقننة ، أثبتها الله في النفس الإنسانية هي المدارك الحسية والعقلية ، وليس غير ذلك.
Page 196
أو مدركا سبحانه بخلافه لكل محسوس الأشياء ومعقولها ، في جميع ما يدرك (1) من فروع الأشياء وأصولها.
وهذا الباب من خلافه سبحانه لأجزاء الأشياء كلها ، فيما يدرك (2) من فروع الأشياء جميعا وأصلها (3)، فما لا يوجد أبدا إلا بين الأشياء وبينه ، ولا يوصف بها أبدا غيره سبحانه. وهي الصفة (4) التي لا يشاركه عز وجل فيها مشارك ، ولا يملكها عليه تعالى مالك.
ولا يعم جميع (5) الأشياء ما يقع من الاختلاف ، فلن يوجد واقعا إلا بين ذوات الأوصاف. وكل واحد منها وإن خالف غيره في صفة فقد يوافقه في صفة أخرى ، كان مما يعقل أو كان مما يلمس أو يرى. فإن اختلف محسوسان في لون أو طعم ، اتفقا فيما لهما من حدود الجسم ، وإن اختلف معقولان في فعال أو همة ، اتفقا فيما يعقل من أصولهما المتوهمة. كالملائكة والإنس والشياطين التي أصولها في النفسانية واحدة متفقة ، وهممها وأفعالها مختلفة مفترقة.
فهمم الملائكة الاحسان والتسبيح ، وهمم الشياطين العصيان والقبيح ، وهمم أنفس الانس فمختلفة كاختلافها ، في قصدها وإسرافها ، فتحسن مرة وتبر ، وتسيء تارة وتشر (6).
وكل خلق من الملائكة والانس والشياطين فقد جعل الله له صفة متممة ذاتية ، بها
Page 197
بان بعضهم من بعض وكانت لكل من جعلها الله له خاصة صنفية ، فهي لهم وبينهم ولهم اختلاف ، وكلهم بها وبما جعل الله منها أصناف ، بعضهم غير بعض ، كما السماء غير الأرض.
وليس من وراء ما قلنا في الدرك لمعرفة الله والوصول إلى العلم بالله قول ، ولا بعد الذي عددنا وحددنا في أصول المعارف بالله أصل معقول.
ولا بد من النظر لمن أراد يقين المعرفة بالله ، في تصحيح كل ما وصفنا صفة بعد صفة في معرفة الله ، ليأتي المعرفة بالله من بابها ، وليسلم بذلك من شكوك النفس وارتيابها ، فإنه لن تزكو نفس ولن تطيب ، ولن يهتدي امرؤ ولن يصيب ، اعتلج في صدره بالله ريب مريب ، ولا كان فيه لشك في الله نصيب.
فنستعين بالله على معرفته ويقينها ، ونرغب إليه في يقين أوليائه ودينها ، فان ذلك ما لا يثبت لمن ادعاه بدعوى غير ذات بينة ولا أصل ، فضلا عن من كذب دعواه في ذلك من العامة سوء الفعل ، فقال : أعرف الله بلسانه ، وكذب ما ادعى من المعرفة له بكبير عصيانه (1).
فإذا قيل له : بم عرفت ما تزعم ، ومن أين علمت ما تقول إنك تعلم؟!
قال : يا سبحان (2) الله! ومن يجهل الله؟! وهل يسأل أحد عن معرفة الله؟!
وليس عنده من وجوه المعارف التي عددنا كلها وجه! ولا له في الجهل بالله لفاحش عصيانه مثل ولا شبه ، يقول أبدا فيكذب ، ويخوض أبدا ويلعب ، فقوله خوض وزور ، وفعاله فساد وبور ، ولا يصدق قوله بفعال ، ولا يقوم دعواه إلا بمحال ، لا يفهمه عنه لبيب ، ولا يصوب مذهبه فيه مصيب ، كالبهيمة المهملة الراتعة ، التي لا همة لها إلا في مأكل أو متعة ، كما قال الله جل جلاله ، عن أن يحويه قول أو يناله : ( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ) [محمد : 12]. وقال سبحانه : ( أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم
Page 198
الغافلون ) [الأعراف : 179]. وقال سبحانه : ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3)) [الحجر : 3].
فنعوذ بالله يا بني من مثل حالهم ، ونرغب إليه في السلامة من سوء فعالهم ، وحسبنا الله في معرفته دليلا وداعيا ، وموفقا سبحانه للعلم به وهاديا.
[تفصيل طرق المعرفة]
فأول باب :وصفناه من دركه سبحانه بمباشرة الحس ،
والباب الثاني : من دركه سبحانه بمباشرة النفس ،
ففاسد أن يكون الله سبحانه بواحد منهما مدركا أو معروفا ، لأنه إن عرف أو أدرك بما أدركا به أو عرفا كان بصفتهما موصوفا ، يجري عليه ما يجري عليهما ، ويضاف إليه تعالى ما يضاف إليهما ، من تجزئة الكل والأبعاض ، وألم به ما يلم بهما من الآلام والأعراض.
لأن ما يدرك من كل محسوس ، وإن كان خلافا لما يعقل من النفوس ، فلن يخلو من أن يكون خليطين خلطا فامتزجا فتوحدا ، أو أخلاطا كثيرة عدن مزاجا واحدا ، فتبدلن عن حالهن الأولى ، وصرن كونا من الأكوان التي تبلى ، وما كان كونا لزمه ما يلزم الأكوان ، ولم يتقدم الحركة ولا الأزمان ، وكان فيهما محظورا ، وبما حصرهما (1) من الحدث محصورا.
وحدث الحركة والزمان (2)، وقرائنهما من الجسم والصورة والمكان ، فما لا ينكره إلا بمكابرة لعقله ، أو فاحش مستنكر من جهله من سلمت من الخبل نفسه ، ونجت من نقص الآفات حواسه.
وكل نفس فذات قوى شتى مختلفة ، كل صفة منها فسوى غيرها من كل صفة ،
Page 199
واختلاف قوى كل نفس فمعروف غير منكر ، منها التوهم (1) والفكر ، وغيرهما من التذكر والخطر (2).
وقوى كل نفس فمتممة لها ، لا يمكن أن تزايلها ، لأنها (3) إن زايلتها قوة من قواها المتممة لكونها ، وما وصفناه من محدود كمال شئونها ، كان في ذلك من زواله زوالها ، وزال عن النفس بزواله عنها كمالها ، وفنيت النفس بفنائه ، ولم تبق النفس بعد بلائه.
ألا ترى أن قوى النفس المتممة لكونها ، ومحدود كمال شئونها ، كحر الشمس ونورها ، وغيرهما مما لا قوام للشمس دونه من أمورها ، وكذلك قوى النار في إحراقها وحرها ، كقوى النفس في توهمها وذكرها ، فإن فني حر الشمس أو نورها فنيت ، وإن بلي إسخان النار أو إحراقها بليت ، وكذلك النفس إن زايلها ، ما جعله الله من القوى لها ، فزال فكرها عنها ، أو فني توهمها منها ، فنيت بفنائه ، وبليت مع بلائه.
وفي ذلك ، إذا كان كذلك ، دليل مبين ، وعلم ثابت صحيح يقين ، أن (4) النفس كثيرة عددا ، وأنها ليست شيئا واحدا ، فكل نفس فغير واحدة ، ولكنها كثيرة ذات عدة (5)، والله تبارك وتعالى فواحد فرد ، وقوته فمفردة ليس لها حد ، ومن لم يكن واحدا فردا ، ونهاية في الدرك صمدا ، كان متحادا معدودا ، وأشتاتا متناهيا محدودا.
والباب الثالث : من دركه سبحانه بمخائل الأوهام ، ففاسد لتشبيهه فيه (6) بمتوهم مخايل الأجسام.
والباب الرابع : من دركه سبحانه بالظن فقد يمكن ويكون ، إذ كانت قد تخطئ وتصيب الظنون.
Page 200
فصواب الظن في أنه قد (1) يصيب فيه سبحانه ، وخطأ الظن فيه فمنحى (2) عنه مقطوعة الأسباب فيما بينها وبينه.
والباب الخامس : من دركه سبحانه بالدلالة فموجود لا يعنف ، وصحيح ثابت في الألباب (3) لا يختلف.
والباب السادس : من دركه سبحانه بحال واحدة مما عددنا ، ففاسد فيه تبارك وتعالى بما أفسدنا.
والباب السابع : من دركه سبحانه بكل ما عددنا وحددنا من الخلال ، فأحول ما يتوهم من وجوه المحال ، لما يجمع مما لا يجتمع في حس ولا عقل ولا وهم ، وفي ذلك أن يكون كذلك أعدم العدم!!
والباب الثامن : معرفته سبحانه بخلاف الأشياء كلها فلباب كل لباب ، وأصح ما يدركه به سبحانه من خلقه أولو الألباب ، لأنه إذا صح أنه غير مدرك سبحانه بدرك هذه الأشياء وأوصافها ، وكان لا بد لمن أدرك هذه الأشياء دركا صحيحا من أن يكون مدركا بصحة لخلافها ، بيقين من دركه لها مبتوت ، كدرك الحياة وخلافها من الموت ، ودرك الصحة وخلافها من السقم ، ودرك الشباب وخلافه من الهرم ، وغير ذلك من اختلاف الأشياء كلها ، وما يوجد لها من الاختلاف في فرعها وأصلها ، وإذا كان ذلك كذلك ، وصح ما ذكرنا في النفوس من ذلك ، كان واجبا وجوب اضطرار ، وثابتا من النفوس في أثبت قرار ، دركه سبحانه ووجده عند دركها ووجودها ، إذ هو خلاف سبحانه لكل ما يوجد من موجودها.
فإن قال قائل : فلم لا تجعل خلاف الأشياء كلها العدم؟! فقد يحيط بخلافه للأشياء كلها الوهم؟!.
Page 201