وقد اختارت السحرة رحمة الله عليهم التائبون في أيام فرعون لعنه الله الموت على النطق بالتقية فمدحهم رب العالمين، وأثنى عليهم ثناء جميلا باقيا إلى يوم الدين، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله [وسلم](1) بعث رجلين إلى مسيلمة ففتن أحدهما فافتتن واتقى، وثبت أحدهما على الإيمان وصبر حتى قتل، فقال النبي صلى الله عليه وآله [وسلم](2): ((إنه جاري في الرفيع الأعلى)) ولأن الكثير من أئمة الهدى جاهروا أعداء الله تعالى، وباينوهم في مقامات كثيره، ولأن الله تعالى مدح من لايخاف فيه لومة لائم، وهذا خلاف حكم التقية، وقد بينا أن التقية لاتجوز في تبديل الأحكام، ولا الفتوى بما لايجوز في الدين، ولا بما يتعلق به الإضلال كما قدمنا ذكره، لأن ذلك من الفساد العظيم في الدين، وقد توعد الله تعالى عن الفساد في الأرض بالقتل، فكيف يدفع القتل بما يستحق عليه القتل؟ وعلى مقتضى مذهبهم لايمكنهم معرفة الشرائع جملة، وإن سلمنا لهم ما قد بينا أنه لايصح فتسليمنا على وجه الإستظهار فنقول: هب أنا نسلم لكم أن رواياتكم كلها متواترة، ألستم تجوزون أن المخبرين يغضون(3) في شروط التواتر، وينقل بعضهم بعض ما سمعوه ويتركون بعض شروط عبارة التواتر، فلا يثق من بعدت داره عن دار الإمام أو غاب عنه ينقل جميع العبارات إليه؟
فإن قال: لايجوز أن يتركوا فإن الإمام من ورائهم بأحدهم ينقل كل ما سمعوا، ولو أخلوا ببعضه لحثهم على نقله.
Page 308