418

Casjad Masbuk

العسجد المسبوك والجوهر المحكوك في طبقات الخلفاء والملوك

اقبل هولاكو قاصدا بغداد من الجانب الشرقي في عساكره وجيوشه واقبل الامير ناحو 36 فيمن معه من عساكر المغل قاصدا بغداد ايضا من الجانب 37 الغربي فأحاطوا بها من الجانبين، فلما رأى اهل بغداد ذلك الجيش العظيم امتلأت قلوبهم رعبا فنصبوا 38 المجانيق على الاسوار واستعدوا للحصار وظنوا أن مدة الحصار تدوم فعند ذلك ضاقت الارض عليهم بما رحبت واحاطت العساكر بجانبي بغداد فأشار الوزير على مصانعة التتر والخروج اليهم في تقرير الصلح لنفسه وتوثق 39 منهم، ورجع الى الخليفة المستعصم قد 40 رغب بان يزوج بنته بابنك ابي بكر ويبقيك في منصب الخلافة، كما ابقى صاحب الروم في سلطنته ولا يريد الا ان تكون الطاعة له كما كان اجدادك مع السلاطين السلجوقية وينصرف عنك بجيوشه والرأي ان يجيبه مولانا الى هذا لأن فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن بعد ذلك ان تفعل ما تريد، والمصلحة ان يخرج مولانا اليه، فخرج المستعصم بالله في جمع من الاعيان الى هولاكو فانزل في خيمته ثم دخل الوزير، فاستدعى 41 الفقهاء والاماثل ليحضروا العقد، فخرجوا من بغداد 42 فاخذوا جميعا وضربت اعناقهم وقتل الخليفة، وقيل 43 خنق وقيل رفس وقيل غم في بساط حتى مات ودخل التتر مدينة بغداد وبذلوا السيف في أهلها، واستمر القتل والسبي بضعا وثلاثين يوما، فلم يسلم منهم الا من اختفى فأمر هولاكو بعد القتلى، فكانوا الف الف وثمان مائة 44 الف وكسر والاصح ان القتلى في بغداد ثمان مائة الف. 45 ثم نودي بعد ذلك فظهر من كان مختفيا، وهم قليل من كثير. وروي ان آخر جمعة خطب فيها الخطيب ببغداد، كانت الخطبة فيها الحمد لله الذي هدم بالموت مشيد الاعماد وحكم بالموت على اهل هذه الديار فدارت الجمعة الاخرى والسيف يعمل في البلاد فانا لله وانا اليه راجعون، وزالت الدولة العباسية مع عظم شأنها ودوام سلطانها. وقد روى عن النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم. أنه قال: «حق على الله ان لا يرفع شيئا الا وضعه» 46 فكان ممن قتل صبرا من بيت الخلافة: الامام المستعصم بالله امير المؤمنين ابو احمد عبد 47 الله بن الامام السعيد المستنصر بالله، وكان عفيف الفرج لم ينقل عنه انه عصى الله بفمه ولا بفرجه. ولا اخل بصيام الاثنين والخميس من كل شهر وكان يصوم شهر رجب من كل سنة الى ان فارق الدنيا الا انه لم يكن بصيرا بتدبير الملك استشهد في ليلة الاربعاء الرابع عشر من شهر صفر من السنة المذكورة وكذلك ولداه الاميران السيدان 192 أ/ابو العباس احمد 48 وكان مولده في سنة احدى وثلاثين وابو الفضائل 49 عبد الرحمن، وكان مولده في سنة ثلاث وثلاثين، وكانا من اجمل من رأته العيون خلقا وخلقا ثم اعمام المستنصر بالله وهم السادة الامراء ابو هاشم يوسف وابو الفتوح حبيب وابو القاسم علي وابو منصور الحسن وابو الفتح سليمان اولاد الامام الظاهر واخوة المستنصر بالله، وكان الامير ابو هاشم يوسف اجملهم صورة واحسنهم سيرة وسريرة واكملهم دينا وعقلا واحسنهم ادبا وفضلا، وكان غزير العلم وافر الفضل عفيفا صينا وقورا مهيبا مرشحا للخلافة له اشعار رائقة وكان مولده في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ثم الاميران المؤيد ابو عبد الله الحسين والموفق ابو علي يحيى ولدا الامير السعيد ابي الحسن علي بن الامام الناصر لدين الله، وهما من اعمام المستعصم بالله، فهؤلاء الاعيان من اعمام الخليفة واولاد عمه وكان كل واحد منهم مترشحا للخلافة، وصالحا لها والله اعلم.

وممن قتل صبرا من اعيان الامراء واكابر الزعماء الامير مجاهد الدين 50 ابو الميامن ايبك الدويدار المستنصري وكان ممن رزق السعادة في دنياه ولما رغب بدر الدين لؤلؤ زعيم الموصل اليه في الوصلة عظم شأنه وارتفع مكانه وملك جزيل الامور من العين والرقيق والدواب والعقار والبساتين والضياع مما يتعذر ضبطه على الحساب وفي ليلة بنائه بزوجته نفذ الى داره من اواني الذهب والفضة والثياب والجواهر ما يزيد على ثلاثمائة الف دينار وانعم عليه في صبيحة تلك الليلة التي دخل فيها بزوجته ستمائة 51 الف دينارا عينا والى غير ذلك مما يطول ذكره ويتعذر وصفه وبلغ من الجاه العريض والحرمة الوافرة حتى انه كان يترفع على وزير الدولة الذي هو نائب الخلافة، وعلى شرف الدين اقبال الشرابي الذي كان مقدم العساكر، ولم يركب الى احد سوى الخليفة، وكان في جماعة من اكابر الزعماء وارباب العمائم واصحاب الكوسات والاعلام، يقصدونه في داره خدمة وتقربا اليه، وكان يصل اليه من اقطاعه واملاكه ومزارعاته زيادة على خمسمائة الف دينار. وقتل وقد جاوز عمره ثمانين سنة.

Page 633