ونحن في معاملتنا للأطفال كثيرا ما نقول: «ما تخافش. ما تصرخش. ما تعيطش. خليك شجاع»، والطفل يخضع ويطاوع ويكتم خوفه، ولكن الصراخ كان شهوة طبيعية عند الطفل، فلما كظمها وجدت الانفراج في النوم بما نسميه الكابوس، وكذلك يفعل الجندي الذي منع من الهرب، والأم التي منعت من البكاء. إلخ.
وإلى هنا لا نرى اختلافا بين الحلم العادي والكابوس، كلاهما يعبر عن عاطفة أو شهوة كانت مكظومة، ولكن القارئ يعرف أننا كثيرا ما نستذكر في يقظتنا المواقف الحسنة التي استمتعنا بها أو طربنا بها، كي نستعيد الاستمتاع واللذة، ثم تأخذ أحلام اليقظة في التوارد خاطرا بعد آخر كلها طرب ولذة، نفعل ذلك عندما نسترخي بعد الغداء أو قبيل النوم، ثم إذا نمنا رأينا الأحلام اللذيذة التي تتصل بهذه المواقف، فكيف نفسر هذا؟
نفسره بأنه أيضا - أي هذه الأحلام في اليقظة والنوم - تعبر عن رغبات مكظومة؛ لأننا لم نشبع من «المواقف الحسنة التي استمتعنا بها أو طربنا بها» فنحن نجوع إليها ونستعيدها، وكأننا نحب أن نملأ كل ساعة من حياتنا بها.
ثم هناك مواقف سيئة أوذينا فيها بالألم أو بالخزي والهوان، ونحن في خواطر اليقظة نستعيدها ونجترها مع التنقيح الذي يجعلنا في موقف المنتصر، ثم في الحلم أيضا نستعيدها مع هذا التنقيح؛ أي: إذا حدث لنا أن اصطدمنا بحادث مهين لنا فإننا نحلم بأننا قد التقينا بالشخص الذي أهاننا وضربناه، أو عاملناه بما يخزيه ويهينه، ثم نستيقظ من النوم مرتاحين لهذا الاتزان الذي حققه لنا الحلم في عواطفنا: انتصار في النوم عقب هزيمة في اليقظة.
وهذا هو سلوك النفس السليمة، ومنهجنا في النوم هو نفسه منهجنا في اليقظة؛ فإن أحدنا الذي يلقى ظرفا سيئا يحاول معالجته أو نسيانه، وهو في النوم يسري عن نفسه بحلم يخفف من وقعه؛ لأنه يرغب في سلوك سوي.
ولكن إذا كانت النفس مريضة فإن السلوك هنا يتغير، فقد يكون أحدنا تاجرا ثم يفلس، أو قد يكون هانئا بزواجه ثم يتضح له أن زوجته خائنة وأنها قد فرت منه إلى آخر، فهو يجتر هذا الحادث فلا ينسى إفلاسه أو لا ينسى خيانة زوجته، ولا يفكر في بناء جديد يبني به ما تفرق من كيانه النفسي، فهو هنا يحمل هما يجتره بلا تدبير للمستقبل؛ أي: بلا أمل؛ فإذا نام رأى في الحلم كابوسا كأنه يسقط من بناء عال، والسقوط هنا رمز للإفلاس المالي، أو كأن وحشا قد شق صدره وخطف قلبه، وهذا رمز لغريمه الذي انتزع زوجته؛ فالكابوس هنا يمثل جرحا في النفس يحس صاحبه أنه غير قادر على لأمه.
وفي مثل هذه الظروف يتكرر الكابوس حتى يعود المريض إلى حال سوية؛ أي: حتى يبرأ من جرحه النفسي.
وفي حياتنا المحفوفة بالمخاطر تمر بنا أوقات نسلك فيها سلوك المرضى؛ فإننا مثلا قد نسرف في تخويف الفتاة من الاختلاط بالشبان حتى تختلط الشهوة الجنسية عندها بالخوف العظيم على بكارتها، فهي ترى - مثلا - فيلا يهجم عليه بخرطومه، فهنا كابوس يرمز «بالخرطوم» إلى الخوف من الاتصال الجنسي، أو هي ترى لصا يطعنها بخنجر أو يطلق عليها مسدسا؛ فالمسدس والخنجر والخرطوم كل منها رمز إلى عضو التناسل الذي تخشاه لفرط ما سمعت عن قيمة الطهارة وضرر الاختلاط، واذكر هنا رمزية الثعبان (الحية) في تعريف آدم وحواء بالأسرار الجنسية.
ومثل هذا الكابوس يزول عقب الزواج، وسببه أننا بالحضارة وزواجرها الكثيرة قد أحلنا حلما لذيذا إلى كابوس مزعج.
والآن قد ذكرنا ثلاثة أنواع من الكابوس هي: (1)
Page inconnue