وأخيرا نجد المجنون الذي يصرح بأنه ملك أو أمير أو مدير لإحدى الشركات؛ لأنه كان تاجرا وأشرف على الإفلاس أو أفلس فلم يطق حاله، فانتهى به عقله الكامن إلى هذه السعادة الخيالية التي استقر عليها ووجد فيها راحته وهربه من مخاوفه.
ولكن اذكر أيها القارئ أننا كلنا هذا المجنون، والفرق بيننا وبينه درجي؛ لأننا نتخيل في أحلام اليقظة وأحلام النوم هذا الثراء الفاحش والوجاهة العظيمة، واذكر أن التلميذ الذي يكره المدرسة يدعي المرض كالجندي الذي يجد المرض؛ الأول يدعيه بوجدانه والثاني يحسه بكامنته، والحضارة في السلم والحرب تحملنا على أن نكظم عواطفنا، ولكن العاطفة قوة كالبخار المحبوس إذا لم يخرج من الأنابيب الأصلية المعدة له فتش عن مسارب نفسية أخرى يتسلل منها؛ حتى ولو اتخذ هذا التسلل صورة الأدب أو الشعر؛ فإن كتاب ألف ليلة وليلة هو في صميمه أحلام الجائعين المحرومين من الطعام الفاخر والمرأة الجميلة والقصر الفخم، وأشعار أبي العلاء المعري هي زهد المحروم من الدنيا الذي يجد الحصرم عنبا، والنكات الجنسية التي يتمازح بها الشبان وقت عزوبتهم تدل على كظم جنسي.
والإصرار على التفاؤل قد يكون أحيانا مهربا من التشاؤم المفرط الذي تصرخ به ظواهر الأحوال؛ لأننا - لفرط ما نخاف - نؤمن بالفرج ونجد الراحة في هذا الإيمان.
وقد سبق أن قلنا: إن كل الالتواءات في التفكير تعود إلى أننا نجابه الدنيا ونعامل الناس بعواطفنا بدلا من وجداننا، ولكن هذه العواطف إما سافرة فنعرفها، وإما مستترة فنجهل أصولها لأنها في العقل الكامن، وهي - لأننا نجهلها - ننساق في تيارها، ونجد لنا منها ميولا واتجاهات وتصرفات ندافع عنها بالوجدان ونبررها بالمنطق حتى ولو كانت سيئة، وقليل جدا من تصرفنا يعود إلى الوجدان، و99 في المائة من تصرفنا يعود إلى العواطف السافرة أو المستترة في العقل الكامن.
انظر مثلا إلى سلوكنا حين نتعصب ضد أشياء أو نستعرض أشياء نكرهها ولا ننفك نشنع عليها؛ فإن أغلب الظن أننا في كامنتنا نحس ميلا مكظوما نحو هذه الأشياء نفسها كما يقول برنارد هارت، ويعلق ولز في كتابه «علم الحياة» على هذه الحقيقة بقوله في صفحة 911:
قلما يكون أولئك الذين يمنعون الاستحمام المختلط على الشواطئ أو الذين يعارضون في اتخاذ النساء لملابس لا تتفق مع الحياء - في زعمهم - قلما يكونون من الحكماء الذين استطاعوا أن يضبطوا رغباتهم في تعقل، وهم في العادة بعض أولئك الذين كظموا غرائزهم العنيفة، وكأنهم على إحساس غامض بأن هذه الدوافع التي لم يضبطها العقل ويقومها، توشك على أن تجمح بهم وتقذفهم من موقفهم الأخلاقي.
فمن هذا المثال يرى القارئ أن هناك ألوانا من النشاط تبدو بريئة ولكنها تدل على أعماق مستورة.
أو انظر مثلا إلى ازدواج الشخصية حين يسلك أحدنا كأنه في يوم جيكل وفي يوم آخر هايد؛ فإن هذا الازدواج يعود إلى أن الكامنة قد احتبست فيها شهوات ورغبات يحملنا المجتمع على إنكارها، فإذا بها في يوم ما تطغى علينا فننسى شخصيتنا الاجتماعية التي نعيش بها ونبرز في شخصية أخرى هي التي كنا نتمناها في أحلام النوم واليقظة.
ويجب أن نعرف أربع حقائق عن العواطف وأثرها في الكامنة:
الأولى:
Page inconnue