Mon esprit et ton esprit

Salama Moussa d. 1377 AH
111

Mon esprit et ton esprit

عقلي وعقلك

Genres

المانيا هي الحزن الفادح أو الطرب العظيم، وهي في المريض تلازمه طوال الحياة أو معظمها، وقد يطرب شهرا ثم يحزن سنة، وقد يضحك ويبكي في يوم، وتتناوبه نوبات من السرور والغم، ومن منا ينكر أن هذه النوبات تنتابه أيضا؟ ولكن في درجات خفيفة لا يحس أنه يحتاج فيها إلى علاج.

والانبساطيون كثيرا ما يقعون في المانيا؛ لأنها تتفق ومزاجهم الاجتماعي؛ إذ هم يفرحون كثيرا ويغتمون كثيرا، ويجب ألا ننسى أن الفرح والغم قطبان لعاطفة واحدة، وعندما نلاحظ الضحك في أحد نجد أنه لا يختلف من البكاء في حركة الأعضاء، وكثيرا ما يختلط علينا الصوت هل هو بكاء أم ضحك، ولا ننسى قولهم: «من فرط ما قد سرني أبكاني» لأن الدموع تنهمر في الحزن والسرور معا. (6)

البارنويا هي اعتقاد راسخ في شيء ما، مثل أن الأرض مسطحة أو أن هتلر حي، أو أن الأرواح تتحدث إلينا من تحت المائدة، أو أن اللصوص يكمنون لقتلي إذا تأخرت في المساء، أو أنه يمكن الوصول إلى القمر على الأشعة، أو أن ألمانيا يحق لها أن تسود الدنيا.

والعادة أننا نعد المخترع بارانوئيا إذا خاب في اختراعه، ونعده عبقريا إذا نجح، فلو أن هتلر نجح في التسلط على العالم، أو لو أنه كان قد سبق الولايات المتحدة في اختراع القنبلة الذرية وتغلب عليها؛ لصار اسمه مخلدا في التاريخ باعتباره العبقري الأول.

ولكنا نعده الآن مجنونا؛ لأنه كان فريسة اعتقاد راسخ بشأن تسلط ألمانيا على العالم.

وهذا المثل وحده يدلنا على أن الفرق بين الصحة والمرض في النفس هو فرق درجي أو اعتباري لا أكثر؛ لأن كليهما ؛ أي: المخترع والبارانوئي، يجمع نشاطه في بؤر مفردة، الأول يحقق غايته والثاني يخيب فيها .

الأمراض النفسية الخفيفة

كلنا تقريبا يصاب بالرشح أو الزكام في وقت ما، ولكنا لا نباليه، بل نعتمد على أننا سنتخلص منه بلا معالجة بعد بضعة أيام، ومثل هذا يحدث لنا بالأمراض النفسية الكثيرة التي تنتابنا من وقت لآخر، وكلنا بلا استثناء يقع في أحد هذه الأمراض التي لا نباليها؛ لأن الإصابة خفيفة لا تكاد تلحظ، وهي تزول في أيام، ونحن نذكر قليلا من هذه الأمراض.

الشك، النسيان، الاشمئزاز، الخوف من الظلام أو من الأمكنة المستشرفة العالية، غياب الذهن، الحياء، البكاء، الوجل، أخطاء الكلام، التلجلج، أحلام اليقظة، الكابوس، كثرة الأحلام، الإحجام عن المشروعات، العزلة، حب الخمر، الشره إلى الطعام، السأم، التشرد الحرفي، التشرد الجنسي، التعب، وفرة العرق، الخوف من الغرباء، الإجرام، إلخ.

وإذا وقع لنا بعض هذه الأمراض في فترات متباعدة مددا قليلة فإننا لا نباليها، ولكنا نلتفت إليها إذا لازمتنا أو إذا تكررت، أو إذا لاحظها علينا صديق أو قريب، فكثير منا مثلا يشرب الخمر مع صديق للمؤانسة، وقد يحتاج في توتر نفسي إلى أن يعمد إلى التفريج بكأس أو كأسين، ولكن إذا صار الشراب عادة لا يطاق الإقلاع عنها فإن المسألة تحتاج إلى علاج، ولن ينجح العلاج بمحض الأمر بالإقلاع؛ لأن الشراب هنا ليس داء وإنما هو نتيجة لداء: هو التوتر النفسي للكظم الذي أحدثته كراهة للعمل الذي يرتزق منه، أو للبيئة العائلية المنغصة، أو للهوان الاجتماعي الذي أدى إليه مركب نقص قد استقر واستتر، أو لطموح بعيد لا يستطاع تحقيقه، ولكن الكامنة لا تزال تثيره وتحض عليه، فكل هذه الأشياء تقلق النفس وتحدث لها توترا تخفف عنه الخمر، والخمر هنا سبيل للهروب من المشكلة، ويجب أن يكون العلاج بالبحث عن العلة المستترة وتحليلها، ومطالبة المريض باستعمال عقله؛ أي إننا ننقله من العاطفة العمياء في الكامنة (العقل الكامن) إلى الوجدان، حتى يتعقل ويوازن الاعتبارات بالتفكير الموضوعي.

Page inconnue