وعلى الفور أدركت أن ملاحظتها تلك لم تذهب سدى؛ إذ كانت مشاورات تجري بصوت منخفض داخل المقصورة.
قال صوت رجولي: «ترييستي.» كان ذلك هو صوت سائق الطبيب الذي يرتدي زي الراهبة الممرضة الموحد الذي يبدو غريبا عليه. «ماذا سنفعل الآن؟»
أجابه الطبيب: «يجب ألا نهدر أي وقت في ترييستي، يجب أن نقود السيارة بسرعة طوال الليل حتى نصل إلى بر الأمان.» «لكن أين سنتخلص من الجثة الآن؟»
ذكر له الطبيب مكانا.
وقال مفسرا: «إنه في طريقنا؛ المرفأ مهجور، وهو يعج بأسماك الإنقليس.» «جيد. سيكونون جوعى. وقريبا جدا، لن يصبح ثمة وجه كي يتعرف عليه أحد، هذا إن عثر عليها لاحقا. هل ستلقي بملابسها وأمتعتها هناك أيضا؟» «أحمق! سيستدل بهم على هويتها إن ألقينا بهم هناك. كلا، سنأخذهم معنا في السيارة. ستحرقهم دون تأخير فور وصولنا.»
مع أن عقل الآنسة فروي كان مشوشا، نبهتها ذبذبة ما بحواسها إلى أنهما يتحدثان عنها. ارتعدت غريزيا وهي تتصور المياه السوداء الراكدة التي يمتزج بها الطمي وتتناثر بها النفايات. كانت تبغض الفساد بشدة.
إلا أن المغزى الحقيقي غاب عنها.
تابع السائق توقع الصعاب. «ماذا إن طرح أحد الأسئلة في مستشفيات ترييستي؟» «حينها سنقول إن المريضة ماتت أثناء نقلها.» «لكن ماذا إن طالبوا برؤية جثتها؟» «سنريهم إياها. لن يكون ذلك صعبا فور أن نعود؛ فالمشرحة ستمدني بجثة امرأة وسأعمد إلى تشويهها.» «مم! أتمنى أن أرجع إلى الوطن سالما، لكن يظل هناك تلك الفتاة .»
علق الطبيب قائلا: «أجل، غريب كيف ينظر الإنجليزيون إلى أنفسهم باعتبارهم شرطة العالم! حتى الفتاة لديها تلك العادة، لكن من الخطأ أن نحسبهم أمة غبية. ذلك البروفيسور يملك ذكاء. هو ليس بغبي، لكنه لحسن حظنا شريف ويظن أن الكل شرفاء كذلك. سيدعم كل أقوالي.»
قال السائق بإصرار: «أتمنى لو أعود.»
Page inconnue