واليهود هم الذين كان بسمارك يشير إلى أحاديثهم مسرورا في تلك الأيام، ويقول بسمارك عن لاسال إنه من ألمع الناس وإن كان لا يعاف محادثته إلى ساعة متأخرة من الليل، ويتخذ بسمارك من بليشرودر نجيا يمكنه الدخول عليه بلا قيد، ويوكله بسمارك وكالة كاملة لإدارة أمواله وأملاكه، ويرفع بليشرودر إلى مرتبة الأشراف الوراثية وفق توصية بسمارك، ويعتمد بسمارك على الدكتور كوهين صديقا وطبيبا ولا تقطع الصلات بينهما إلا بموت هذا الطبيب، وهكذا يثق بسمارك باليهود في شئون صحته وأمور ثروته، وبسمارك يقول: «إن لي مسرة بمعاشرة سيمسون، وهو ذو ذكاء خالص ، ولي متعة بزيارته لي خلافا لمعظم ضيوفي، وهو محب للوطن، وهو إناء نبيل صبت فيه أصفى العواطف.» ولا تجد حكما كهذا في جميع ما خطه يراع بسمارك، وبسمارك منذ عشرين عاما حينما كان سكرتيرا لبرلمان إرفورت، قد جعل من سيمسون هذا أضحوكة، وبسمارك قد قال: «يفضل والدي أن يذهب إلى قبره إذا ما أبصرني كاتبا عند أستاذ يهودي.» وكان سيمسون قد نعت بسمارك بالبهلوان في أثناء نزاع، فلم ينس بسمارك جميع هذا قط، ويمضي زمن فيضفر بسمارك أكاليل المدح لديسرائيلي، ولا يسعنا هنا سوى السؤال: ولم جعل بليشرودر بدلا من هانسمن، وجعل كوهين بدلا من فريريشز، وجعل لاسال بدلا من ليبكنخت، وجعل سيمسون بدلا من ريشتر، وجعل ديسرائيلي بدلا من ساليسبري؟
وفي ذلك الدور يترك بسمارك مبدأ اللاسامية مع جميع أفكار شبابه الرجعية، وبسمارك حتى في أوثق نجاواه لم يصدر عنه أدنى ملاحظة ضد اليهود، ولا نكاد نشك في زوال أوهامه الوراثية حول ذلك زوالا تاما كما يوجبه العقل، وبسمارك بعد خطبته التي ألقاها منذ عشرين سنة ضد قبول اليهود في المناصب الحكومية هو الذي أتم قانون تحرير اليهود قائلا: «إن الحكومة لا يمكن أن تحابي في مثل هذه المسائل ما دام لا يوجد دين للدولة في بروسية.» وبسمارك هو الذي أطرى اليهود في الريشتاغ بسبب «استعدادهم الخاص وإدراكهم الرئيس في أمور الدولة»، وبسمارك هو الذي مدح فضائلهم المنزلية؛ كاحترام الأبوين والإخلاص الزوجي وحب الخير، وبسمارك هو الذي حض على تزاوج الأشراف واليهود مشيرا إلى أسر لينار وستيروم وكوسيروف وما إليها من الأسر التي أسفرت مصاهرتها لليهود عن «مولد أناس ألباء لطفاء، وأحسن من ذلك اقتران حصان نصراني من أصل ألماني بحجر
12
من أصل يهودي، فتداول الأيدي للمال أمر ضروري، ولا يوجد عرق رديء، ولا أعرف ماذا أنصح به أولادي ذات يوم في هذه المسألة»، وبسمارك يلخص في شيبته قيمة اليهود الاجتماعية والحيوية في الكلمة الجامعة الآتية، وهي: «إن اختلاط الدم اليهودي بمختلف العروق الألمانية يؤدي إلى بريق لا يستهان به.»
والواقع أن بسمارك فاتر تجاه جميع الناس، نصارى كانوا أو يهود، وزراء كانوا أو رؤساء أحزاب، أمراء من بلاده كانوا أو أمراء من الأجانب، والواقع أن بسمارك لم يحمل ودا لغير رون من بين رفقائه القدماء، ومن المؤثر، ومن المضحك أيضا، أن يمسك كل من هذين الصديقين بطوق
13
الآخر في سنة 1869 حملا له على الخدمة عند ميله إلى الخروج منها، وينظر رون بعين الجد - وعن سلامة طوية - إلى ما ذكرناه آنفا من محاولة بسمارك أن يستقيل، فيقول في كتاب يرسله إليه: «ما فتئت - منذ تركتك أمس - يا صديقي الكريم، أفكر في أمرك وفي قرارك، فلم أذق طعم الراحة، دع في كتابك منفذا عند وضعه، لتعلم أن في الكتاب الذي أخذته من الملك أمس طابع صدق، ولا يغب عنك أن كل شيء لا ينم على الحق فيه هو نحاس من حياء زائف لا يراد الاعتراف به، وأن وضع الذي يكتب يمنعه من الإقرار بعمله الخاطئ فلا يرجع عنه، وليس من الرأي أن تحرق سفنك، ولا ينبغي لك أن تصنع ذلك، فإذا فعلت ذلك خسرت صيتك في البلاد وضحكت أوروبة، وسيقول الناس إنك استقلت لأنك قطعت الأمل من القدرة على إنجاز عملك، ولا أرى أن أؤكد ذلك، وذلك مع توقيع صديقك الثابت المخلص ...»
بسمارك في سنة 1877.
يا لنبل ما يجد رون من معذرة للملك من غير دفاع عنه! يا للبراعة التي كتبت بها تلك الكلمات وشعر بها! يا لصحة ما تشتمل عليه تلك الجمل من بصر تاريخي! يا لتأثير تحفظ رون! وتمضي بضعة أشهر فيزعج رون بمعارضة بسمارك في أمر بحري فيريد الاستقالة بجد تام ومن غير رأي خفي، فيكتب بسمارك إليه من فارزين قائلا: «لم أكن لأفكر في غير كنيبهوف عندما مددت يدي إليك مصافحا ثابتا قائما على العهد في شهر سبتمبر سنة 1862، ولا يجوز لنا أن نختلف اختلافا جديا في مسألة بحرية بعد سبع سنوات مجيدة قضيناها في الجهاد معا، يجب عليك أن تقرأ شعار اليوم الرابع عشر من شهر أغسطس مع تفسير دنيوي له، ويلوح لي - قبل كل شيء - أن تلك المسألة ليست من الأهمية ما تسوغ به أمام الله والوطن توديعك الملك البالغ من العمر ثلاثا وسبعين سنة، وإعراضك عن رفقائك، وأنا منهم، باستقالتك.»
وفي هذا الكتاب حسب تأثير كل كلمة في شعور المرسل إليه بالواجب وفي تقواه، وفي هذا الكتاب الصادر عن أثرة على الطريقة البسماركية تلقى المسئولية على عاتق ذلك الذي كدر صفوه ذات يوم فيود اليوم أن يبديه جائرا عليه باستقالته.
Page inconnue