يلوح لي أن عمل الزيت على الماء «أولا» أن يمنع ارتفاع موجات جديدة بهبوب الريح، وثانيا أن يمنع اندفاع الموجات التي ارتفعت فعلا بقوتها الأولى، فلا تحدث موجات أخرى ترتفع مثل ارتفاعها كما يحدث لو لم يكن على صفحة الماء زيت مصبوب. إلا أن الزيت لا يمنع التموج الذي يحدث لسبب آخر أو قوة أخرى، كقوة الحجر الذي يسقط في بركة ساكنة؛ لأن الموج يرتفع إذن بقوة الحجر الدافعة «الميكانيكية» التي لا تستطيع الصفحة المزيتة أن تمنعها كما يمتنع اتصال الهواء بالماء وإثارة الأمواج فيه.
والموجات التي ترتفع بقوة الريح أو بغيرها تعمل عملا واحدا في الارتفاع والهبوط، كما يعمل الرقاص بعد انقطاع عمل القوة التي دفعته إلى الحركة الأولى، وهي حركة تسكن مع الزمن، ولكن لا بد لها من زمن على أية حال.
وعلى ذلك يمكن أن يضعف الزيت على البحر الهائج دفعة الموج الذي على صفحته، فيهبط لامتناع التأثير الجديد الذي يطرأ عليه، ولكنه لا بد من مرور زمن قبل ظهور الأثر على مثال ما يحدث عند هدوء الريح فجأة؛ فإن الأمواج لا تهدأ فجأة بهذه السرعة، بل تأخذ في الهدوء شيئا فشيئا حتى تنقطع الريح.
ونحن كذلك وصلنا بصب الزيت على الماء إلى تهدئة الأمواج التي ارتفعت قبل ذلك، ولم يكن منتظرا أن تتم هذه التهدئة على الأثر حتى تستوي الصفحة كل الاستواء، ولا بد للحركة التي بعثتها أن تستمر بعض الوقت، وأن تصل إلى الساحل بقوة وسرعة إن لم يكن على مسافة بعيدة، فلا يلاحظ عليها ضعف محسوس، ويجوز أننا - على مسافة أبعد من تلك - كنا نحس للتجربة أثرا أكبر من ذلك لو أننا بدأنا عملنا على مسافة أبعد من الساحل، أو يجوز أن الزيت الذي صببناه لم تكن فيه الكفاية، وتظهر النتيجة في التجارب التالية.
ولقد شكرت الربان بنتنك لمساعدته الطيبة الرضية، ولا أنسى فضل مستر بانكس، والدكتور سولاندر، والجنرال كارنوك، والدكتور بلاجدن الذين اشتركوا في التجربة في ذلك اليوم المضطرب المزعج، وصبروا على الدأب فيها صبرا لا باعث له غير زيادة المعرفة، وبخاصة تلك المعرفة التي تنفع الناس في مواقف الشدة والحرج.
وبودي لو أطلعت صديقك الألمعي مستر فاريس على هذه الرسالة مع تبليغه تحيتي واحترامي، وإنني يا سيدي العزيز مع تقديري الخالص ... إلخ إلخ.
اجتماعيات
والاجتماعات التي كتبها فرنكلين تتسم - كسائر كتابته - بسمة السماحة الفطرية التي تنظر إلى الحقائق من وراء حدود الأجناس والألوان، وتعرف في الوقت نفسه حدود الطاقة الإنسانية، فلا تنسى الأعذار وهي تحكم على الذنوب، ولا تجهل الضرورات وهي تتكلم على الواجبات، ونجتزئ من هذه الاجتماعيات بفصلين؛ أحدهما عن الهنود الحمر ، والآخر عن المرأة الخاطئة.
قال بعنوان : «في شئون المتوحشين المقيمين بأمريكا الشمالية» نسميهم متوحشين؛ لأن عاداتهم تخالف عاداتنا التي نحسبها غاية الدماثة والأدب، وإنهم ليحسبون عاداتهم كذلك.
وأخالنا لو درسنا عادات الأمم المختلفة بغير تحيز لم نجد شعبا قط يبلغ من خشونته أن يتجرد من قواعد الأدب والمجاملة، ولم نجد شعبا قط يبلغ من أوبه ومجاملته أن يخلو من بعض الخشونة.
Page inconnue