Sans Limites
بلا قيود: تقنيات حررت البشر ودفعتهم لحافة الهاوية
Genres
ولم يتعلم بدو أوراسيا امتطاء الخيل فحسب، ولكنهم تعلموا أيضا صناعة عربات من الخشب مغطاة بمظلات من القماش، وابتكروا مرابط مكنت خيلهم من جر هذه العربات لمسافات طويلة على السهوب . وسريعا ما صار الرعاة الأوراسيون أكثر رحالة الأرض تنقلا، حيث كانوا يتنقلون بأسرهم وكل أملاكهم لمئات الأميال سنويا بحثا عن مراع جديدة من أجل قطعانهم. وبعد ذلك بخمسة آلاف سنة، عبر رواد الغرب الأمريكي القفور البدائية للبراري مستخدمين عربات مغطاة بالتصميم نفسه تقريبا.
ورغم أن مسألة ما إذا كان اختراع العجلة قد وقع أولا في سهوب أوراسيا أم في وديان أنهار بلاد الرافدين لم تحسم بعد، فإنه مما لا شك فيه أن استخدام العجلة قد انتشر مثل النار في الهشيم في أنحاء أوراسيا، من غرب أوروبا حتى الصين، بمجرد أن بدأ الناس استخدام العربات ذات الأربع عجلات والعربات ذات العجلتين؛ إذ تظهر أدلة على استخدامهما على نحو مباغت في أنحاء كل من أوروبا وآسيا بدءا من سنة 3500 قبل الميلاد، في شكل رسومات ونماذج من الصلصال لعربات بأربع عجلات، وظهور علامة مكتوبة لكلمة «عربة»، وبقايا أثرية لعجلات وأجزاء من عربات (انظر شكل
7-9 ).
شكل 7-9: تطورت العجلة من قطعة مصمتة من الخشب (أ) إلى تصميم من ثلاث قطع (ب) تطور في النهاية إلى العجلة المتعددة البرامق (ج). كان للعجلات الحربية عجلات بأربعة وستة برامق (د) و(ه). وكانت العجلات المزخرفة (و) تستخدم في الاحتفالات. (الأشكال من (أ) إلى (ه) وضعها المؤلف؛ الشكل (و): بعد العجلة الحربية، الشكل رقم 16657، مركز فلوريدا للتقنية التعليمية. أذن بإعادة نشرها.)
أولى العربات سواء كانت بأربع عجلات أو عجلتين كانت تجرها الثيران في الغالب، حيث كانت دائما ما تربط في أزواج على جانبي قضيب خشبي طويل متصل بالمركبة ذات العجلات، وإن كانت الحمر الوحشية الآسيوية قد استخدمت لهذا الغرض أيضا، وهي نوع صغير من الحمر المستأنسة. كانت العربات ذات الأربع عجلات وذات العجلتين تمكن شخصا أو شخصين من نقل أحمال ثقيلة من الغلال ومواد البناء والأخشاب وغير ذلك من البضائع من مكان إلى آخر دون مساعدة. وفي أغلب الأحيان كانت هذه المركبات القديمة ذات العجلات تستخدم في نقل البضائع لمسافات قصيرة، ربما من قرية إلى أخرى، أو من المزارع والحقول إلى البلدات التجارية، أو من الريف إلى المدن. ونادرا ما كانت تستخدم في نقل البضائع أو الناس لمسافات طويلة، حيث لم تظهر الطرق المعبدة إلا بعد آلاف الأعوام من اختراع العجلة.
بين عامي 3000 و2000 قبل الميلاد، بدأت جيوش بلاد الرافدين القديمة استخدام العربات والمركبات الحربية الثقيلة بعجلات متينة، تجرها الثيران أو أزواج من الجحوش أو الحمر الآسيوية؛ لتكون منصة متحركة لرماة السهام والرماح، إلا أن هذه المركبات كانت بطيئة وصعبة القيادة نسبيا. أما العجلة الحربية التي تجرها الخيول، والتي اخترعها كذلك بدو سهوب أوراسيا وظهرت في بلاد الرافدين بعد عام 2000 قبل الميلاد، فقد كانت شيئا مختلفا اختلافا كليا؛ فالخيل كانت مفطورة على السرعة والقوة والتحمل، على عكس الثيران البطيئة الثقيلة الحركة البليدة والجحوش والحمر الآسيوية الضئيلة الحجم. وحين ربط اثنان أو أربعة من الخيل بعجلة حربية كانت النتيجة باهرة بالتأكيد.
كانت العجلة الحربية خفيفة الوزن سهلة التوجيه، وذات عجلات مزودة بقضبان يجرها زوج من الخيل السريعة ويقودها قائد واحد، وكان يقف خلفه اثنان أو ثلاثة أو أربعة من المحاربين، يطلقون الرماح والسهام على العدو بينما تنطلق العجلة بسرعة كبيرة. وكانت جوانب العجلة الحربية وأرضيتها مصنوعة من أخف وأرق أنواع الخشب أو الجلد، وكانت عجلاتها كبيرة الحجم، وكان الجزء الخلفي منها مفتوحا. ورغم أن العجلة الحربية كانت شبه عديمة النفع في نقل البضائع، إلا أنها كانت منصة مثالية لشن الهجمات على قوات الأعداء.
ولم تكن العجلات الحربية القديمة تحتاج طرقا؛ فقد كانت تنطلق سريعا على الأرض العراء في اهتزاز وصخب، بينما تقطع خيولها الأرض ركضا تحت تأثير سوط السائق، الذي كان يركز في السيطرة على الخيل أثناء هجوم رماة الرماح والسهام على العدو. وقد غير اختراع عجلة الحرب التكتيكات العسكرية للحروب القديمة بدرجة كبيرة، وكانت منذ بدء استخدامها سلاحا حاسما مخيفا. وخلال قرون قليلة، صارت العجلة الحربية جزءا أساسيا من كل جيش من الجيوش القديمة من مصر إلى الصين.
يرجع جزء كبير من نجاح العجلة الحربية إلى المتطلبات الفريدة التي احتاجتها القوس الطويلة القوية، التي كانت السلاح المفضل لرامي الأسهم القديم؛ فقد كانت القوس الطويلة بنفس ارتفاع قامة الإنسان وثقيلة للغاية. وكانت تستلزم أن يقف رامي الأسهم منتصبا، وهو السبب الذي كان يجعل رماة الأسهم يقفون على منصات العجلات الحربية. لكن بعد ابتكار اللجام والشكيمة - وتعلم امتطاء صهوات هذه الحيوانات القوية - اخترع بدو سهوب أوراسيا قوسا أصغر كثيرا وأكثر اكتنازا في نفس قوة ودقة القوس الطويلة.
هذه القوس الجديدة «المركبة»، المقوسة مثل شارب عريض مفتول، كانت تصنع من خشب وعظام وأوتار ملتصقة بعضها ببعض، وكانت في قوة قوس يفوقه مرتين في الحجم ومركبة من قطعة واحدة من الخشب. كما كانت القوس المركبة أو المدعمة بالأوتار تمكن الراكب من إطلاق السهام في أي اتجاه - بما في ذلك الاتجاه الخلفي على العدو الذي يلاحقه - وهو على صهوة جواد راكض. بعد عام 1000 قبل الميلاد، حين صار امتطاء رماة السهام الجياد وتسلحهم بالقوس المركبة شائعا لدى الجيوش القديمة، انسحبت من المعركة تدريجيا العجلة الحربية وركابها رماة الرماح أو مستخدمو القوس الطويلة.
Page inconnue