وساد الصمت فراح حسنين يتساءل في نفسه، وهو يسترق النظر إلى أخيه: ترى أكانت خطبته بنت ساعتها حقا؟!
82 «ربما كان الانتظار حكمة، ولكن ماذا يجدي الانتظار إذا طار الطائر؟!» هكذا تساءل حسنين فيما يشبه الغضب، وبعد انقضاء قرابة شهر لم ين فيه عن التفكير والتدبر ساعة واحدة. قالوا له - خاصة حسين - إنه ينبغي أن ينتظر حتى يكون ثروة صغيرة، ثم يتقدم لطلب يد الفتاة، وليكن رأيهم صوابا، ولكن من يضمن له أن تنتظره الفتاة حتى تتكون هذه الثروة؟ ومما شجعه على نبذ هذا الرأي «الحكيم» أن أحمد بك يسري على علو مقامه قريب إليه بحكم العلاقات القديمة، فطمع في أن يوسع له صدره، أما إذا أفلتت من يده الفرصة السعيدة؛ فليس لديه إلا أن ينتظر أعواما طوالا قبل أن تفتح له الأبواب أسرة كهذه، ألا يمكن أن يطلب يد الفتاة ثم يستمهل البك حتى يستكمل استعداده؟ .. يمكن بلا ريب، وإذا لم يمكن فإن احتمال الرفض لا يجب أن يقعده عن المسعى، إنه أجرأ من أن يقعده شيء عن غاية، ثم إنه لا يطيق هذه الفضيلة التي يدعونها بالصبر. الآن، ودون خوف أو تردد، وليكن ما يكون. كان الشاب يدير هذه الأفكار في رأسه وهو يقترب من فيلا أحمد بك يسري بشارع طاهر، صمم وشرع في التنفيذ بلا مبالاة. هذه هي الحياة التي يتلهف عليها بكل قوة نفسه. وليس ثمة ما يزعجه؛ فقد اختفى حسن وصارت نفيسة آنسة محترمة، والماضي في طور الاحتضار، وما يريد إلا الحياة النظيفة السعيدة لنفسه وذويه. وكان قد أخذ زينته وتبدى في منظر حسن، يجمع إلى رشاقة الشباب فحولة الرجولة، وما إن انتهى إلى الفيلا حتى أدخل إلى السلاملك، فجلس ينتظر بقلب خافق ونفسه قلقة؛ «أليس عجيبا أن أتقدم لطلب يد فتاة هذه فيلتها، وأنا لا أملك إلا ما تبقى من مرتبي! وهناك قضية الوقف الوهمية التي حدثت البك عنها، ولكن هيهات أن تغني عني شيئا، لماذا لم يكن لأمي وقف؟ ولكن هذه مسألة أخرى، فلو كنا من أصحاب الوقف لكان الماضي غير الماضي، والحاضر غير الحاضر، ليكن ما يكون، لن أتراجع، ومهما يكن من أمر فلن يقطع رأسي، إذا ربحت ربحت الدنيا جميعا، وإذا خسرت لم أخسر شيئا يذكر! إني آسف يا بني، سلام عليكم يا سعادة البيك، هذا أفظع ما يتوقع! إني كفء لها بغير جدال، ما عسى أن تريد مما ليس لدي؟ المال؟ عندها المال بالقنطار. ما أحمقكم يا أهل هذا البيت إذا رفضتم يدي! في هذا الموضع رأيتها أول مرة على دراجتها، ساق تستأهل ثقلها ذهبا، وفخذ سبحان الخالق! مسكينة نفيسة. ترى أين حسن الآن؟ ليته يفر إلى بلد غريب فيختفي إلى الأبد. لا تكاد ذكراه المزعجة تفارقني، فمتى أرتاح من الماضي كله. لن أتراجع. في هذا الموضع كادت تهوي بها الدراجة، أقدام البيك؟» وأنصت في اهتمام ثم نهض قائما في احترام حين رأى البك قادما نحوه، وسلم في إجلال والآخر يقول: أهلا بحضرة الضابط، كيف حالك؟
وأجاب الشاب وهو يبذل أقصى جهده للسيطرة على انتباهه وإرادته: شكرا لك يا سعادة البك.
وتساءل البك ضاحكا بلهجة ذات معنى: ألا يزال أخوك في طنطا!
ورحب حسنين بأي حديث يطيل له مهلة الاستعداد فقال باهتمام ظاهري: بلى يا سيدي!
وكانا قد اطمأنا إلى مجلسيهما فقال البك: ليس في الإمكان نقله هذه العطلة، ولكني أخذت وعدا صادقا بنقله في العطلة القادمة.
وكأن حسنين يعلم بهذا، ولكنه قال بامتنان: هذه مأثرة جديدة تضاف إلى مآثرك السابقة.
وساد صمت، وشعر الشاب بأنه يقتحم لحظة رهيبة من حياته، وأنه لم يعد وراءه ثمة مجال لتردد أو تراجع، فألقى بعزمه قائلا بصوت لم يخل من اضطراب في نبراته: الواقع أني قصدتك يا بك في شأن يخصني أنا.
فرفع إليه الرجل عينيه متسائلا: خير إن شاء الله؟
فاعتدل الشاب في جلسته كأنه يستمد من اعتداله قوة وقال: إني أستشفع بسعادتك لغاية بعيدة أراها فوق مطمحي.
Page inconnue