Les Débuts et la Fin
البداية والنهاية
Maison d'édition
مطبعة السعادة
Lieu d'édition
القاهرة
كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نسلم عليك فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي لم ترد عَلَيْنَا؟
«قَالَ إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغُلًا» وَقَدْ روى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ، وَهُوَ يُقَوِّي تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الثَّابِتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ٢: ٢٣٨ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ. عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ زَيْدًا أَنْصَارِيٌّ مَدَنِيٌّ، وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ ثَبَتَ بِمَكَّةَ، فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا ذِكْرُهُ الْآيَةَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ فَمُشْكِلٌ وَلَعَلَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهَا الْمُحَرِّمَةُ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ الْمُحَرِّمُ لَهُ غَيْرَهَا مَعَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّنْ دَخَلَ مَعَهُمْ بِجِوَارِ، عُثْمَانَ بْنُ مَظْعُونٍ فِي جِوَارِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ فِي جِوَارِ خَالِهِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّ أُمَّهُ بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَإِنَّ صَالِحَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَنِي عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُثْمَانَ. قَالَ: لَمَّا رَأَى عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ مَا فِيهِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْبَلَاءِ وَهُوَ يروح ويغدو في أمان من الوليد ابن المغيرة قال والله ان غدوي ورواحي فِي جِوَارِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَأَصْحَابِي وَأَهْلُ دِينِي يَلْقَوْنَ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْأَذَى فِي اللَّهِ مَا لَا يُصِيبُنِي لَنَقْصٌ كَثِيرٌ فِي نَفْسِي، فَمَشَى إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ وَفَتْ ذِمَّتُكَ وقد رددت إليك جوارك. قال لم يا ابن أَخِي؟ لَعَلَّهُ آذَاكَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِي قَالَ لَا وَلَكِنِّي أَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ ﷿، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِهِ. قَالَ فَانْطَلِقْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَارْدُدْ عَلَيَّ جِوَارِي عَلَانِيَةً كَمَا أَجَرْتُكَ عَلَانِيَةً. قَالَ فَانْطَلَقَا فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا الْمَسْجِدَ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: هَذَا عُثْمَانُ قَدْ جَاءَ يَرُدُّ عَلَيَّ جِوَارِي. قَالَ صَدَقَ قَدْ وَجَدْتُهُ وَفِيًّا كَرِيمَ الْجِوَارِ وَلَكِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِ جِوَارَهُ. ثُمَّ انْصَرَفَ عُثْمَانُ ﵁ وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بن جعفر فِي مَجْلِسٍ مِنْ قُرَيْشٍ يَنْشُدُهُمْ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ عُثْمَانُ فَقَالَ لَبِيدٌ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ
فَقَالَ عُثْمَانُ: صَدَقْتَ. فَقَالَ لَبِيدٌ:
وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
فَقَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ. فَقَالَ لَبِيدٌ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ مَا كَانَ يُؤْذَى جَلِيسُكُمْ فَمَتَى حَدَثَ هَذَا فِيكُمْ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ هَذَا سَفِيهٌ فِي سُفَهَاءَ مَعَهُ قَدْ فَارَقُوا دِينَنَا فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عُثْمَانُ حَتَّى شَرِيَ أَمْرُهُمَا فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ ولطم عينه فحضرها والوليد ابن الْمُغِيرَةِ قَرِيبٌ يَرَى مَا بَلَغَ عُثْمَانَ. فَقَالَ: والله يا ابن أَخِي إِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ عَمَّا أَصَابَهَا لَغَنِيَّةً، ولقد
3 / 92