ومن شهور قليلة جاء يسري من السودان بعد أن زاول الطب حتى شبع، وأقسمت بيني وبين نفسي ألا أدعه يفلت هذه المرة، ولا بد لي من إقناعه بالعودة إلى مجال هو فارسه الأول بلا منازع. ويبدو أنه هو الآخر كان أضمر في نفسه شيئا، فقد وجدت منه إصرارا غريبا على أن أعود لمزاولة الطب. ولكي يتحقق هدفي وهدفه تظاهر كلانا أنه قد اقتنع بوجهة نظر الآخر، وقررنا أن نفتح عيادة معا، يحاول هو أن يجرني بها إلى الطب وأحاول أنا أن أخرجه منها إلى عالم الكتابة.
ولا يزال النقاش بيننا حادا مستعرا، وأخوف ما أخافه أن ينجح يسري في إقناعي وأفشل في إقناعه.
إني لأشفق على عيادتنا المشتركة في عشش الترجمان من الصراع الرهيب الدائر فيها. (30) داخل الصندوق معركة
الكتاب حقيقة صغير في حجمه، ولكني ترددت طويلا وأنا أقلب صفحاته. وكل كتاب في رأيي صندوق مغلق قد تفتحه فتفاجأ بكنز، وقد تضني نفسك فلا تخرج في النهاية إلا بقبضة لآلئ زائفة، ولكني هذه المرة متأكد من صاحب الصندوق، فمحمود أمين العالم قد دخل حياتنا الثقافية والأدبية من أوسع أبوابها، دخل ليحتل المكان المرموق الشاغر، وحياتنا الأدبية الجديدة كانت في حاجة إلى الناقد الجديد الذي يستطيع أن يدرك أبعادها ويفهمها ومنها نفسها يستخرج الجوهر إلى الناس، يحسده ويدافع عنه، كانت في حاجة إلى الناقد الذي ينبع منها ليرعاها، وبأنامله المخلصة المحبة يحدد مواطن القوة فيها، وبقلبه المشفق يلمس مواطن الضعف، وهكذا، وفي أقصر وقت أصبح محمود أمين العالم، هذا الناقد الذي تبوأ مكانه عن جدارة بين رعاة الحركة الأدبية الجديدة التي بشرت بالثورة وتفجرت معها.
وصحيح أن نقاد هذه الحركة كثيرون، بحيث أصبح كل من باستطاعته أن يردد كلمة الحرية أو الاشتراكية أو المضمون التقدمي أو الفن للشعب ناقدا محسوبا عليها، ولكن هؤلاء الجديرين فعلا بكلمة ناقد - تلك التي ترتفع في رأيي إلى مستوى العدل السماوي - قليلون، والموهوبون الذين باستطاعتهم - فوق الإخلاص والصدق - أن يعبروا عن رأيهم هذا تعبيرا يرتفع إلى مستوى الفن لتصبح أعمالهم النقدية أعمالا فنية تستوحي مادتها من الأعمال الفنية للآخرين، هؤلاء الموهوبون أقل. وداخل هذه الدائرة الضيقة تنوعت اهتمامات رعاة الحركة الأدبية الجديدة، فكان اهتمام الدكتور علي الراعي يتجه أكثر إلى التذوق الفني على مستوى رفيع، وكان اهتمام أحمد عباس صالح مركزا أكثر على الحكم الصارم لتحديد مدى قربها أو بعدها عن الفن بمفهوماته المتطورة الجديدة، في حين وهب رجاء النقاش نفسه للدفاع عما ينتقيه ليعتبره النموذج للشكل والمضمون الجديدين معا وما لا يعجبه فهو أصلا لا يكتب عنه، أما الزميل الكبير أحمد رشدي صالح فهو وإن كان من أعمدة هذه الحركة الجديدة إلا أنه في حكمه عليها فإنه لا يختصها بتحيز ولا يفرق في حكمه بين جديد أو قديم، وإنما يتحمس للجيد في رأيه أنى وجد، بل إنه في أحيان يتحفظ وكأنه ناقد من أجيال الشيوخ، فلا يأتي اعترافه بالجديد إلا بصعوبة.
وبقي لهذه الحركة من رعاتها مثلان بارزان على طرفي نقيض، فالدكتور لويس عوض ليس مجرد ناقد لهذه الحركة أو راع، ولكنه وكأنه عالم أدب، فكما يحفر في القديم ليعثر على رموز تخدم المدرسة الفكرية المتكاملة التي يحاول إنشاءها، فهو أيضا في الجديد مشغول إلى درجة عظمى بالتنقيب عن الرموز الجديدة يفكها ويحللها ويصلها بالقديم ويقيم من هذا كله دعائم مدرسته.
الأستاذ محمود أمين العالم هو الآخر صاحب مدرسة تختلف في رأيي اختلافا جذريا عن مدرسة الدكتور لويس عوض وإن كانت تتفق في الوسيلة، فالعالم أساسا فيلسوف. وفي الحركة الأدبية الجديدة من الأعمال ما يجد فيه صاحب فلسفة واضحة محددة مثله ما لا بد أن يأخذ منه موقفا، إما بالإشادة وإما بالرفض. وميزة العالم أن الفلسفة عنده ليست موضوعا أكاديميا أو معادلات رياضية، ولكنها قضية تكاد تصبح - بل تصبح فعلا - قضية حياة أو موت. وقد أخذ البعض على محمود العالم حماسه وهو يعرض آراءه، ولكنها في الحقيقة ليست حماسة، إنها اهتمام رجل وهب نفسه لرأيه وللدفاع عن وجهة نظره، وفعل هذا بكل ذرة قدرة لديه. وهذا هو أروع ما في الموضوع.
الخطورة في حامل الشعار
فليست المشكلة في رأيي هي أي رأي تعتنق، فلتعتنق ما شئت من آراء ولكن المهم هو مدى إخلاصك لهذا الرأي ومدى صدقك مع نفسك ومع الآخرين، فحتى لو كنت مخطئا، حتى لو عاديت الاشتراكية مثلا عن إحساس حقيقي وعن إيمان، فعن طريق إيمانك والمجاهرة به، عن طريق الصدق لا بد حتما أن تصل إلى الصواب. إن الصادقين فقط هم الذين يصلون دائما إلى الحقيقة حتى لو فرض وبدءوا من بداية خاطئة. ومحمود العالم مثله مثل الآلاف من مواطنينا المخلصين لم يولدوا بالآراء التي يعتنقونها الآن، وكثيرون منا بدءوا حياتهم الوطنية والعقائدية بالانضمام إلى مصر الفتاة أو الإخوان، ولكن رغبتهم العارمة في الوصول إلى الحقيقة، صدقهم مع الآخرين ومع أنفسهم كان لا بد أن يقودهم حتما إلى الطريق الصواب. المشكلة في رأيي، بل الجريمة هو ما نراه لدى بعض الناس، أولئك الذين - ويا للغرابة - يضعون أنفسهم في مكان الصدارة من الدفاع عن الحرية والعدالة والاشتراكية، أولئك الذين لا تسمعهم إلا مجعجعين بكلمات طاهرة نقية مثل الشعب والتقدم وشرف الكلمة، الواضعين أنفسهم دائما في مكان القضاة يحكمون على خلق الله بالانحراف أو بالعداء للشعب أو الرجعية أو الانتهازية والنكوص والخيانة والتردد، الذين نصبوا من أنفسهم مبشرين بالأخلاق الفاضلة والسلوك السوي وهم في حقيقتهم نماذج بشعة للالتواء والجبن وكل سلوك أعوج. كم من الناس «يلتزمون» بحناجرهم فقط، تقرأ للواحد منهم أو تسمع فيخيل إليك أنه راهب شعبي يتعبد في محراب التضحية والبطولة والكلمة الشريفة، ولكنك تفجع حين تعرف أنه يتخذ من هذه المعاني تجارة رابحة لا تكلفه إلا ترديد هذه الكلمات بمناسبة وبلا مناسبة.
إنه الشيء الذي يدفع حقيقة للاشمئزاز أن ترى تلك النماذج من الكائنات التي لا تحوي في أعماقها ذرة واحدة من ذرات الخير، بله التقدم، وهي تحمل راية الشعب وتجأر باسمه. نماذج، يا لها من نماذج! لقد عددت بنفسي في مقالة لأحدهم كان ينقد فيها بعض من يعتبرهم شريرين وخبثاء، عددت في فقرة واحدة لا تتعدى السبعين كلمة، اثنتين وعشرين كلمة كلها تدور حول الحقد والبغض والمستنقع والقيح والنتانة والانحطاط والفجر والبشاعة. اثنتين وعشرين كلمة كهذه في فقرة واحدة من مقال يدعو فيها إلى الصفاء والمحبة والخلق السوي!
Page inconnue