Beyrouth et le Liban depuis un siècle et demi
بيروت ولبنان منذ قرن ونصف القرن
Genres
وهكذا نتج عن هذا القرار الملكي أن الفرنسيين أمسوا خاضعين لشرائعنا في تعاملهم مع بعضهم. وهذا القرار مبني على المبدأ القائل بوجوب اعتبار المواطنين الفرنسيين الذين يقيمون في الشرق كأنما هم في مستعمرة، بقطع النظر عن شرائع البلد التي لم يشعرهم بها قنصلهم.
وقد أثبتت التجارب الطويلة أن الضمانة التي يستطيع إفرنسيو أساكل المشرق الاعتماد عليها، والمنافع التي يجنونها من اتجارهم فيها، كانت ترتكز على حماية نشيطة وسياسة موالية لمبادئ دولة السلطان، والمعاهدة المعقودة مع هذه الدولة، وعرف رعاياها وعاداتهم.
5
أما المؤسسات الإفرنسية فهي - بلا شك - أحسن تنظيما في الشرق من مؤسسات الدول الأخرى، إلا أنه بعد الانقلابات التي حصلت في فرنسا لم تعد الأنظمة المطبقة في مؤسساتنا تتناسب وأنظمة وطننا الأم؛ ومن هنا نشأ الميل إلى العصيان، فذهب بعض المواطنين إلى أنه لا يجب الخضوع لقوانين تقتضينا أكثر مما تنص عليه شرائعنا. وقد ساعد على ذلك تردد القناصل المتواصل في تطبيق القوانين التي اعتبروها تتجاوز حدود سلطتهم بعد وضع نظامنا الجديد.
إن مخالفة الأنظمة تعود إلى عامل سياسي هو الخطأ في الرأي؛ فهو يلعب دوره في بعض الأحيان حتى في هذه البلدان البعيدة. لقد خلق لي مواطني عدة متاعب، إلا أني لم أشاهد بينهم دعاة سيئي النية يبشرون بمذهب التسامح السامي، ثم يخوفون الموظف المتقلقل فيحجم عن استخدام مواهبه ونشاطه لخدمة الأمة؛ لأنهم يصورون له صفاته القيمة كأنها منن الطبيعة الماكرة، وواجباته كأنها مشاكل معقدة؛ وهكذا تعجز السلطة - التي تعاكس في سيرها - عن ممارسة حقوقها؛ فتنحصر في نطاق ضيق ولا تعمل إلا عند الحاجة الملحة. وما هكذا يجب أن يخدم جلالته. إن أوامره مهما تكن تافهة، يجب أن تكون لها قوة القانون، ولكي تحترم يجب العمل بها وتنفيذها بلا هوادة.
كانت وزارة الخارجية قد باشرت تحوير أنظمتنا عبر البحار وتصحيحها. إلا أنها توقفت عام 1834 بعدما نقحت بضعة فصول من أحكام قانون عام 1781. ثم إنها في سنة 1836 نشرت القانون الجديد المتعلق بقمع الجرائم وعقوبتها. وهذا العمل الأخير يرغب فيه كثيرا من يميلون إلى التقيد بنظام، ويشعرون أن التقيد بالأنظمة المحكمة التنسيق تقيدا دقيقا، توطيد لاتحاد الفرنسيين القاطنين في الشرق. وهذا الاتحاد هو الزاوية التي يبنى عليها كيانهم، وفيه كل قوتهم؛ فالفوضى التي تسود اليوم أعمالنا في تركيا إنما هي دعوة إلى نهج مثل ذلك النهج للتملص من عنف قوانيننا. وبما أنه لم ينظم شيء في هذه البلدان - ولو بصورة تقريبية - فمن الضروري إذن أن يكون لعلاقات مواطنينا برؤسائهم استقرار شرعي لا يمكن الانحراف عنه مطلقا.
إنني بناء على هذا الأساس أرى مهمة القنصل توحي ارتياحا تاما. إنها عادلة جازمة وصلبة، وهذا ما يجعلها مفيدة ومحترمة.
إن قانون عام 1781 والأنظمة الملحقة به قد أدت إلى إحاطة قناصل الملك بكثير من الاعتبار، فاحتفظوا دائما بحق التقدم على جميع قناصل الدول. أما اليوم فأخذ وزراء السلطنة العثمانية يعاملونهم على قدم المساواة. إن عدم الاستقرار على حال - في هذه البلاد - يجعل المهمات القنصلية شاقة جدا؛ فتارة يتوجب على القناصل أن يقاوموا السلطة العليا للحصول على أوامر تعيد إلينا ما انتقص من معاهدتنا، وطورا يقتضي عليهم أن يداعوا المرءوسين الذين يحرفون مضمون هذه الأوامر. إن الأوامر الأكثر وضوحا تنسى في بحر شهر واحد في أغلب الأحوال، وهنا الطامة الكبرى، ولا سيما إذا استوجبت المطالبة بها مقاضاة الرئيس.
6
غير أن العمل في هذه البلدان لا يشبه العمل في أوروبا، وهو ينقلب رأسا على عقب بين ساعة وأخرى. إن الصداقات الخاصة تسهل العمل أكثر من الأوامر الصادرة عن العاصمة؛ ففي هذه الصداقات تمهيد عظيم لطرق القناصل، ويمكنني أن أكرر هنا بأن ارتشاء رجال السلطات أو لين جانبهم أمام الصداقات هو الذي يقينا شر تعصبهم وظلمهم. فالخدمات التي التمسها القناصل من ذوي السلطة قد حصلوا عليها في مناسبات شتى، إن رجال الدولة يحتاجون في حل مشاكلهم إلى وسطاء غير قابلي الرشوة. ولما كانوا جد حذرين فإنهم يتلمسونهم عندنا؛ ولهذا يتوسط الجهاز القنصلي - في حالات الثورة على الحكام - ليعيد الأمن إلى نصابه.
Page inconnue