Beyrouth et le Liban depuis un siècle et demi
بيروت ولبنان منذ قرن ونصف القرن
Genres
يظهر أن تربة بيروت الرملية توافق شجر التوت، وهذا لا يعني أن هذه الأرض الأقل جفافا تلائم هذه الأشجار لأننا نجدها أكبر حجما وأنضر ورقا في الأماكن التي تسقى فيها.
إن العرب لم يستطيعوا حتى اليوم - نظرا لافتقارهم إلى الأدوات - أن يخترعوا دواليب (فراش) تستطيع سحب المياه إلى علو مترين أو خمسة أمتار؛ ولذلك نراهم مضطرين دائما إلى غرس هذه الأشجار في أماكن منحدرة كي يحفظوا لها بعض المناعة؛ لأن المنحدرات تكون دائما أكثر طراوة ورطوبة. إن أغضان هذه الأشجار تجم في نهاية كل ربيع لتنبت من جديد، والدفعة الثانية من أوراق التوت تنتزع في فصل الخريف فتكون علفا للبقر والمعزى، ولا سيما الخروف صاحب الألية الضخمة (المور) الذي تعلف كل عائلة رأسا منه ليكون مئونتها في أثناء الشتاء، فيذوب الشحم ثم يقلى به اللحم؛ وهكذا يحفظ عدة شهور.
وشجرة التوت تعيش أكثر من مائة عام إذا حرثت وسمدت. وإذا لم يعتن بها فإن عمرها لا يتحاوز خمسة وعشرين عاما. إن دودة بيضاء يبلغ طولها الستة أو السبعة سنتيمترات مسلحة بثنيتين تفتك بأشجار التوت وتنخر جذوعها. إن الشجرة تهلك إذا لم تساعد على الإفلات من عدوها. وبعد القضاء على هذه الدودة يجب أن تغطى جذور الشجر ببعر المعزى.
إن خشب التوت الذي تنتشر فيه عروق عريضة حلوة الاصفرار مرغوب فيه من النجارين، وكثيرا ما يلتمسونه ليجعلوا منه مصنوعاتهم كأقفال الأبواب والمسارج وقضبان النوافذ وغيرها. وطمعا بريع هذه الشجرة الكثير يقتلع الفلاح جميع الأشجار حتى المثمرة التي تنبت على مقربة منها؛ إذ يخشى أن تقاسمها عصارة التربة المغذية، فهو يريد أن تكون لها وحدها.
إن أوقية البزر - وهي عبارة عن ثلاثة عشر درهما - تغل عادة أربع أو خمس ربطات حرير يراوح وزنها بين عشرة كيلوغرامات واثني عشر كيلوغراما. واستغلال مثل هذه الكمية يتطلب عمل شخصين واعتناءهما. وقد أنتجت خمس أوقيات بزر - عام 1828 - ثلاثا وثلاثين ربطة؛ أي اثنين وثمانين كيلوغراما من الحرير. وهذا إقبال نادر.
إن أجمل الحرير الأبيض هو حرير الضواحي التي تبعد فرسخين عن المدينة، ويسمى بالحرير البلدي. وهذا يصدر كله إلى الخارج.
أما الحرير الأصفر الذي يعتبر من أحسن الأجناس، فهو حرير كسروان والدامور. وهذه الأخيرة تقع في منتصف الطريق بين بيروت وصيدا. يستعمل هذا الحرير في مصانع أنسجة مدن سوريا التي توليه الأسبقية نظرا لجمال لونه. إنه يكسب النسيج لمعانا وتموجات حين ينعكس عليه النور؛ وهذا ما يقدره ويرغب فيه ذوو الذوق السليم.
وهنالك اختلاف بعيد بين الطريقة السورية والطريقة الأوروبية في استخراج الحرير، وهذا ما يحرم السوريين من المنفعة التي كانوا يستطيعون اجتناءها.
إن الفيالج (الشرانق) تلقى بلا نظام في مرجل (خلقين)؛ أي إنها لا تنقى قبل ذلك. والخيوط التي توضع بدون تمييز على دواليب الحلالة، تسحب بعد أن يقطعها، على التوالي؛ دولاب تقارب دائرة إطاره ثلاثة أمتار، وبعد أن يلقي الناظر قضيبه ثانية في الخلقين - على أثر تحريكه الشرانق - ينتزعه، فإذا به قد علق عليه مقدار كبير من القش جمعته يد القدر؛ وهذا ما يجعل الخيوط ضخمة وغير متساوية الطول.
أتيحت لأرباب هذه الصناعة عدة ظروف أدركوا فيها أنه يمكنهم أن يحسنوا عملهم؛ رأوا بأعينهم - بادئ ذي بدء - نماذج من شرانقهم المحلولة في فرنسا، ثم أجريت هذه التجارب وأكملت على مرأى منهم في مصنعين فرنسيين أسسا في بيروت والضواحي. إلا أن تأثير العادة كان مستحكما في نفوس هذه الشعوب، حتى إنها كانت تفضل مساوئ ما اعتادته على اتباع طريقة مضمون نجاحها. أما أسباب ذلك فتعود إلى عدم مبالاتهم، وقلة تفكيرهم، وكرههم للتجديد.
Page inconnue