180

Palais du désir

بين القصرين

Genres

فقال شيخ الحارة بيقين: أذاع أللنبي الساعة بيانا بهذه البشرى ...

في اللحظة التالية كانا يتعانقان، واشتد التأثر بالسيد أحمد، فاغرورقت عيناه، ثم قال وهو يضحك مداراة لتأثره: كان العهد به دائما أن يذيع الإنذارات لا البشريات، فماذا غيره ابن الهرمة؟!

فقال شيخ الحارة: سبحان الذي لا يتغير ...

وصافح السيد، ثم غادر الدكان وهو يصيح: «الله أكبر، الله أكبر، النصر للمؤمنين!»

وقف السيد على عتبة الدكان مقلبا عينيه في أنحاء الطريق بقلب ارتد إلى براءة الطفولة وبهجتها، طالع أثر الخبر السعيد في كل مكان ... في الدكاكين التي سدت مداخلها بأصحابها وزبائنها وهم يتبادلون التهاني، في النوافذ التي تزاحمت فيها الأحداث، وانطلقت الزغاريد من وراء خصاصها، في المظاهرات التي تألفت ارتجالا ما بين النحاسين والصاغة وبيت القاضي هاتفة قلوبها لسعد، وسعد وسعد ثم سعد، في المآذن التي اعتلى المؤذنون شرفاتها يشكرون، ويدعون ويهتفون، في العربات الكارو التي تجمعت بالعشرات حاملة المئات من النسوة المتلفعات بالملاءات اللف، وهن يرقصن ويرددن الأغاني الوطنية، لم يعد يرى إلا آدميين أو بالأحرى هاتفين، اختفت الأرض وتوارت الجدران، وتعالى الهتاف لسعد في كل مكان، كأنما الجو قد انقلب أسطوانة هائلة تدور بلا توقف مرددة اسمه. وجرى نبأ فوق الرءوس الحاشدة أن الإنجليز يجمعون معسكراتهم القائمة عند مفترق الطرق تأهبا للرحيل إلى العباسية، فاستمر الحماس وحمست النشوات. لم ير السيد أحمد منظرا كهذا من قبل، فراح يقلب عينين متألقتين وفؤاده يخفق وثبا، وباطنه يردد مع النسوة الراقصات: «يا حسين ... حملة وانشالت!» حتى أدنى جميل الحمزاوي رأسه من أذنه قائلا: الدكاكين توزع الشربات وترفع الأعلام.

فقال له بحماس: اصنع كما يصنعون وأكثر، أرني همتك!

ثم بصوت متهدج: علق صورة سعد تحت البسملة.

فنظر إليه جميل الحمزاوي كالمتردد، ثم قال محذرا: هذا موضع ترى فيه الصورة من الخارج، ألا يحسن بنا أن نتريث حتى تستتب الأمور؟

فقال السيد باستهانة: مضى عهد الخوف والدماء إلى غير رجعة، ألا ترى أن المظاهرات تمر تحت أعين الإنجليز دون أن يتعرضوا لها بسوء؟ علق الصورة وتوكل على الله.

غار عهد الخوف والدماء، أليس كذلك؟ سعد حر طليق، ولعله في طريقه الآن إلى أوروبا، لم يعد بيننا وبين الاستقلال إلا خطوة أو كلمة، مظاهرات الزغاريد بدلا من مظاهرات الرصاص، الأحياء منا قوم سعداء، اخترقوا النيران وخرجوا سالمين، رحمة الله على الشهداء، فهمي؟! نجا من خطر لم يقدره، نجا والحمد لله والشكر لله، أجل نجا فهمي، ماذا تنتظر؟ ... صل إلى الله ربك.

Page inconnue