512

Les Lumières et les Trésors

البصائر والذخائر

Enquêteur

د/ وداد القاضي

Maison d'édition

دار صادر

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م

Lieu d'édition

بيروت

Régions
Iran
Empires & Eras
Bouyides
الدنيا عقولكم، وعشقتها أنفسكم، وامتدت إليها أبصاركم، أوحش الزاهد منكم، فكنت إذا رأيته علمت أنه حي بين موتى. يا داود، ما كان أعجب شانك، وقد يزيد في عجبك أنك ألزمت نفسك الصبر، وقومتها بالزهد؛ أذللتها وإنما تريد عزها، وأجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريها، وعزلت نفسك عن الدنيا فلم ترها لك قدرًا ولا خطرًا، تفقهت في دينك وتركت الناس يفتنون، وسمعت الحديث وتركتهم يتحدقون، وخرست عن القول وتركتهم ينطقون، لا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية، ولا من الإخوان هدية، آنس ما تكون إذا كنت خاليًا، وأوحش ما تكون إذا كنت مع الناس مجالسًا، عزلت نفسك في بيتك فلا محدث لك ولا جليس، ولا ستر على بابك، ولا فراش تحتك، ولا قلة يبرد فيها ماؤك، ولا قصعة يكون فيها غداؤك وعشاؤك، فمن صبر صبرك وعزم عزمك؟! لقد أتعبت العابدين بعدك.
قال الرشيد لسفيان بن عيينة: إني عزمت أن أرى الفضيل بن عياض، فقال له سفيان: يا أمير المؤمنين، إنه رجل قد زهد في الناس والدنيا جميعًا، وأخاف أن تأتيه فتستجفيه، فقال له: كلا ما عزمت على إتيانه حتى وطنت نفسي على احتمال ما يكون منه؛ يا سفيان، إن عز القوي عز لا يزحمه منكبًا إمرة ولا خلافة. قال: فأتيت فضيلًا بما قال: فقال: ما أعقله لولا أنه يحب العاجل، ثم قال: إني لأحب أن يأتيني وأكره أن يأتيني، فأما محبتي لمجيئه فلعلي أعظه بموعظة ينتفع بها هؤلاء الناس، وأما كراهيتي لمجيئه فلأني أراه يرفل في النعم عاريًا من الشكر. قال: ثم أذن، فمضيت مع الرشيد إليه، وقد اختلط الظلام، وعلى الرشيد طيلسان غسيل قد غطى به رأسه، فلما هجمنا عليه في بيته وشم الرائحة سمعته يقول: اللهم إني أسألك رائحة الخلد التي أعددتها لأوليائك

3 / 30