Lamentations: Six larmes sur une âme arabe
بكائيات: ست دمعات على نفس عربية
Genres
أنذرني من قبل أن يجيء. رفقا يا قاضي الوقت. مهلا يا ملاح الموت. يا من تعبر نهر الغربة والنسيان، أنظرني حتى أعزف بعض الألحان، أو أشرب نخب العمر على مأدبة الخلان، وأودع من أحببت وأختم آخر فصل في مأساة الأحزان، وأقوم خطيبا فيهم: إخواني، يا من كنتم أغلى الإخوان، أسألكم، أسأل نفسي: من نحن؟ وماذا نبغي؟ ما الإنسان؟ وإذا كان الإنسان هو الموت فما معنى أن نولد ونشيب ونلقى في الأكفان؟ وإذا لم يكن الإنسان هو الموت، فمن كتب عليه القسوة والحرمان؟ من أوقفه كالمسجون أمام السجان؟ إن كان الإنسان. هو الموت.
تسرع المحفة على عجلاتها وبجانبها الطبيبان، وخلفها الممرضة الصغيرة لاهثة الخطى والأنفاس. أرقد في سكون وذراعي هامدة وأصابعي تتحرك شوقا للقلم وللأوراق. هل فات الوقت؟ هل أزف الموعد؟ أنصت يا طير الموت الأسود. أسمع دقات الطبل المرعد، تعلو تهبط تدنو تبعد. أنصت يا طيري الهاجع في عش القلب المجهد؛ فالنغم الهارب يتردد حينا، ثم يبدد، يتكسر فوق زجاج القلب ويخمد، يجمع أشلاء نشيد ضاع من المنشد: «أنذرني من قبل أن يجيء. تراب لونه الرديء.» أنذرني ولم أصدق نذره. أنبأني ولم أحقق نبأه. رأيته على الدوام يخفي عينه المختبئة، في طرقات المدن المهترئة، وفي حنايا الأعين التي تنم عن قلوب صدئة. أنذرني من قبل أن يجيء. لم أنتبه لوقعه البطيء. هل آن أن تدهمني خيوله المفاجئة؟ ترتفع دقات الطبل الخافت، حتى تصبح كدوي الرعد. تتلبد سحب الغبار أمام عيني وتبرق حوافر الخيل. دقات القدر الغامض أم دمع القمر على صدر الليل؟ تسرع المحفة، وتسلمني من درب مجهول إلى درب مجهول. تهبط من كون علوي في كون سفلي. يا ربات القدر الرابض فوق العرش، تغزلن خيوط العمر، وتصنعن نسيج النعش. مهلا يا ربات القدر ولا تقطعن الخيط الهش. لا تزعجن الطير الراقد في العش.
تشيعني النظرات الكابية والنظرات الحانية. يا أمي أين تراك الآن؟ ضميني واحميني من شر العين. وأنت يا حبيبتي الحنون. حبيبتي يا من دعوتها أغلى من العيون. هل يسعفك الوقت؟ أم يبلغك رسول الموت بأني مت؟
آه أزف الوقت، ضاع الوقت.
لا تعجل يا ملاح الموت بإغراق سفيني، الجرح ينادي السكين فلا تك أقصى من سكين. أتقول بأن الموت علينا مقدور، ذلك حق لكني أرفض هذا الموت الباهت حتف الأنف. كنت بسالف أيامي قد صادفني هذا البيت: الإنسان هو الموت. لكني لم أقبل أبدا أن يصدق هذا البيت. فتمردت عليه وثرت. ودعوت الله بأن يرفع عنا زمن الموت، أن يقسو، كي نزدجر، علينا، ويعلمنا أن نتمزق إربا أن نتفتت، حتى لا نمثل للموت، حتى يخرج من بئر الماضي الأسود طفل المستقبل ممتطيا مهر الوقت، ويجوز بقافلة الموتى أرض الموت، لأرض تبزغ فيها شمس الحرية في السمت.
عجل يا ملاح الموت ولا تخش القدر أو المقدور. إن تبد جبال الملح أمامك والقصدير، فسنحيا في أطراف الألم ونبلغ شط المحظور، ونجرب لحظة رعب قاس مر ومرير، حتى نرسو في جزر النور، نرسو في جزر النور.
تقف العجلات على باب الغرفة. تفتح عينيك على النور الباهر ينهمر من السقف على الأركان. تهتف من قلب خنقته أمواج الظلمة والصدفة: أواه يا مدينتي المنيرة.
8
مدينتي المنيرة. «مدينة الرؤى التي تشرب ضوءا، مدينة الرؤى التي تمج ضوءا.» تلوح بعد طول الانتظار. تكشف عن نجومها وراء الغيم والضباب بعد رحلة العذاب والدمار، يا كم خرجت بحثا عنك كاليتيم، مطرحا أثقال عيشي الأليم، وملقيا وراء ظهري بالأنا القديم. أقول كلما بدت أبراجك الحسان والمنار، ولوح الملاح سيد البحار، للمركب الذي أضنته طلعة الشموس والأقمار، ورحلة الضياع في عيون الليل والنهار: «حجارة أكون لو نظرت للوراء، حجارة أصبح أو رجوم.» هل آن أن أرسو على شطوط الحلم؟ أأنت يا مدينة الجمال والجلال وهم؟ أم أنت حق؟ أم أنت حق؟
أرقد في فراشي الكليم، عريان كاليتيم، مجردا من النقوش والألقاب والرسوم، تطوف في خيالي السقيم حلمي العقيم حلمي القديم، أن تفتح السما أبوابها عن نبأ عظيم. «وها أنا ذا أستدير بوجهي إليك، وأبكي لأن انتظاري طال؛ لأن انتظاري يطول» أيا أملا قادما من وراء الغيوم. أغيب في غياهب الضباب والدخان، أسأل عنك النسر مرة والأفعوان، وأسأل الشيوخ والكهان، عن شاهد يدل عن صداك في الزمان أو خطاك في المكان. وبعد رحلة العذاب في البحار والقفار، وبعد طول الانتظار، أراك يا مدينتي زاخرة الأنوار، أبعث من تابوتي القديم في مدافن التذكار أبعث فوق صدرك الطهور كالأبرار، أرضع من نهديك نور العدل والحرية، أطعم من كفيك خبز العدل والحرية. بعد طول الانتظار. بعد طول الانتظار.
Page inconnue