Lamentations: Six larmes sur une âme arabe
بكائيات: ست دمعات على نفس عربية
Genres
ترفع إليه عينين شاهدا الجرح ولمساه وصبغهما بحريق الدم: أنا لا أدعوه جرحي يبتهل إليه يخفق الصوت ويمد جناحيه على صدرك ووجهك: جرحك مفتوح ككتاب قدسي، والسيف المبصر سيعود، وينطق كالوحي. أنا مثلك أنتظر القادم بالزاد وبالري.
تردد بصرك بين المسافر المكتوم في غيبوبته بجانب الفراش، وصاحب الوجه اللامع المتصلب كالكاهن الفرعوني على رأس مليكه المحتضر، والطبيبين العاكفين على الأجهزة والأنابيب والأدوات والدوارق، والممرضة الصغيرة التي تجري كالنحلة في مهب الريح. تضغط أجنحة الطير الأسود، ويتأهب للاندفاع، فتصرخ من تحت الجبل الجاثم عليك: يا حلاج. ثبت قلبي يا محبوبي.
ثبت قلبي يا محبوبي.
يدخل كالطفل الضاحك فرحا بهداياه ولعبه، طفل شيبت الأيام الجهمة شعره، ترك الحارس والسجان وقاضي الشرع على الجسد الناحل أثره، فوق الذقن المرسل يتناثر دم، فوق الصدغ وتحت العينين بقايا دم، وعلى السترة والشال الأبيض والسراويل المترب بقع الدم. يتهلل نور العينين الساجيتين، ويبرق بالبسمة والكلمة فم، لا تخفي الحفر عليه وعلى الوجه الضامر ألم السوط المؤلم. يقترب قليلا، تتذكر طلعته النورانية، تنضو عنه سحابته، ينضح الشبح المعتم ها هو ذا يقترب، يحاول أن يجري نحوك يتعثر في الأغلال الصدئة في رجليه ويديه، يقوم، يشد الخطو، تجلجل ضحكته الحلوة يوم تبدت للعين الشجرة، واندفع إلى عرس الصلب، وتمتم بالآيات وشكر الله وسلم. تتهلل طلعتك، وتخفق آخر أنفاس سراج العين، وتبتسم وتحتضن الحلم. توشك أن تطلق ضحكتك العذبة، وتمد إليه تفاحتها الناضجة بدفء العمر الغارب في ليل مبهم، لكن الشوكة تنغرز وينطبق الفم، يقفز كالعصفور الأحدب يتملى وجهك يتكلم: تبدو كالغارق في النوم. تنسكب العينان على صدرك، وكأنك تقلب دنياك على جفنيك، أو غلبتك الأيام على أمرك.
تفتح شفتيك المالحتين بطعم العلقم، وتخاطبه كخطاب النائم في حلم: يا شيخي أنا إنسان يضنيني الفكر، ويعروني الخوف. ثبت قلبي يا محبوبي، أنا إنسان يظمأ للعدل، ويقعدني ضيق الخطو، فأعرني خطوك يا محبوبي، وشفيعي قلبي المثقل ودموعي في الليل.
يثبت عينيه في عينيك المغمضتين على الحلم النائم في فرش اليتم: بلساني تنطق يا ولدي، وبشعري الباكي تتكلم. - إني أتعذب يا شيخي الطيب. - فليغفر لي الله عذابك يا ولدي. - أنا بين يديك صريع يا حلاج قتلتني كف العصر الدموية، داستني قدم العصر الهمجية، لدغتني بالسم أفاعي النيات المطوية، ألعاب الزامر والحاوي بالكلمات القدسية. - قدس ربي كلماتك ورعاها كالورد ندية. كنت بسالف أيامي قد قتلتني الكلمات، ورأيت الدنيا مخلوقا بشعا شوهه الظلم، وعذبه الفقر الهائم في الطرقات، وتخليت عن السر فبحت وصحت. - أنا أيضا قتلتني كلمات تنزف كجراح. عجز لساني عن إلجام السر الجامح فانطلق وباح. - قل يا ولدي، وانفض سرك وتكلم. ما أحلى أن نتكاشف بالأسرار ونحلم. - كنت أحدثهم بحديث القلب. لم يستطع الكتمان فباح. وسقطت بقاع الجب. - مثلك لا يسقط أبدا يا ولدي. قد تسقط شجرة جسدك أو يهوي غصنك. لكن تبقى ثمرة فكرك، يبقى لحنك. ألم تقل على لساني: «كان من يقتلني محقق مشيئتي، ومنفذ إرادة الرحمن؛ لأنه يصوغ من تراب رجل فان أسطورة وحكمة وفكرة.» - أوحتم كان علينا أن نقتل؟ أن ينهال الكذبة بفئوس الحقد على شجرتنا فتميل وتذبل؟ - يقتل كل الشعراء بكل بلاد الله، يقتلهم حقد الحطابين الفقراء المحرومين من الموهبة السفهاء. - خوضت طويلا في طرقات الله، والآن يعض الطير الأسود حبة قلبي، أولست تراه؟ ها هو ذا يضرب بجناحيه، ينشر ظل الموت، يسدد سيف الرعب فآه. - لا يخشى الموت سوى الموتى. قم فالناس «عطاش لترويهم من ماء الكلمات. جوعى لتطاعمهم من أثمار الحكمة، ظمأى لتنادمهم بكئوس الشوق إلى العرس الرباني»، قم واسكب كأس غناك يندي القلب بحلم نوراني، قم يا ولدي. - آه يا شيخي الطيب كيف أقوم وأمشي أو كيف أغني؟ أنا لا أملك حتى أن أفتح عيني. - حاول يا ولدي، حاول. - تتخلى عني القوة، يسري الشلل بأطرافي، يهوى شعري كالملح البارد في أعضائي، يخذلني نهر حياتي ودمائي، يجفو وقدة صحرائي. - هيا يا ولدي نسعى في طرقات الله، فالفقر يعربد في الطرقات، يذل رقابا وجباها، والمسجونون المصفدون يسوقهم شرطي مذهوب اللب، قد أشرع في يده سوطا لا يعرف من في يده قد وضعه، ورجال ونساء قد فقدوا الحرية، اتخذتهم أرباب من دون الله عبيدا سخريا. قم فالشر استولى في ملكوت الله. - الشر قديم في الكون. أولم تعرف هذا يا حلاج؟ أولم يشهد دمك الطاهر طغيان الشر على الخير، ألم تلحظه لحظ العين؟ الشر قديم متجدد. في كل زمان ومكان يكتسب جنودا ويعربد. لكن الشعر فراش محزون مجهد، يجذبه النور فيحرق بالنار ويجلد، يسقط كعجوز محتضر مقعد، يا كم حاول شعري أن يصنع من نار العالم نورا يأتلق ويسعد، حتى احترق وصار بلون الفحم الأسود، صارت كلماتي شوكا في الصدر، ودمعا في العين تجمد. - هل خبت وخابت كلماتي؟ - كلماتك ما خابت أبدا فتشجع، وستأتي آذان تتأمل إذا تسمع، تتحدر منها كلماتك في القلب، وقلوب تصنع من ألفاظك قدرة، وتشد بها عصب الأذرع، ومواكب تمشي نحو النور ولا ترجع، إلا أن تسقى بلعاب الشمس، روح الإنسان المقهور الموجع. كلماتك. - كلماتي. كلماتي. هل تقدر أن تنقذني من هذا المستنقع؟
هل تقوى أن تسحبني من شعري أو من شعري الغارق في الدمع؟ آه لو كانت كفا تحصد أو تزرع، تبني أو تهدم أو تردع؟ - كلماتك تنحدر إلى الناس، تحدثهم عن رغبة ربي: «الله قوي يا أبناء الله، كونوا مثله، الله فعول يا أبناء الله، كونوا مثله.» - يا شيخي الطيب. في عصر ملتاث، قاس وضنين، لن يصنع ربي خارقة أو معجزة، كي ينقذ جيلا من هلكى، قد ماتوا قبل الموت. - الموت علينا مقدور، لكن كلماتك يا ولدي حية. صنعت مني أسطورة رجل فان، رجل ظمآن يروى عطش الناس لنور العدل الباهر والإيمان، كم أحييت من الأرواح بسر الكلمات، وبعثت الحلم مسيحا يحيي الأموات، وغدا يتفتق منها فجر الحرية، أنظر فالنور ... - النور شحيح يا شيخي، والفجر على الأفق مقيد. - النور سيأتي يا ولدي، وغدا ... - كم عشت على أمل الغد. - الفجر قريب يا ولدي، لن تخطئ طلعته الموعد. - يا شيخي ميلا لا تسرف، فالليل على الكون تمدد. - الفجر سيولد في الغد، وسيزهو بمدائن ربي، ويتم الموعد والوعد.
بسمته تشرق كالرؤيا وتطوف على الوجه المتعب، كالبرق النافذ مجروحا، من ثوب الظلمة والسحب لا تخطئ عينك دمعته، تنحدر كالطفل الميت، تتلوى الألم وتسكت. ترمقه، تشرب دمعته، وتحول عيناك للسيد: هل يأتي حقا يا سيد؟
تتفرج أسارير الوجه الفرعوني المتصلب، ويطل الصوت المرهق كابتسامة أبي الهول: لا بد سيأتي، لا بد.
تطوف عيناك بين الوجهين، لا تدري أيهما تصدق. تسحب كلمتك كمجداف تاه على لجج الوحشة وتمزق: والطير الأسود؟ ها هو يتمدد في جنبي، والظل على قلبي يرقد. ساعدني يا شيخي الطيب، هات ذراعك مد يديك، وحاول أن تطرده يا سيد.
Page inconnue