La Joie de Tewfik dans l'histoire du fondateur de la famille khédiviale
البهجة التوفيقية لمحمد فريد بك
Enquêteur
د .أحمد زكريا الشلق
Maison d'édition
دارالكتب والوثائق القومية
Édition
الثانية
Année de publication
1426هـ /2005 م
Lieu d'édition
القاهرة / مصر
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم المؤلف
الحمد لله الذي جعل فن التاريخ عبرة لمن اعتبر وتبصرة لمن تأمل وادكر | والصلاة والسلام من الملك السلام على نبينا محمد سيد ولد عدنان القائل حب | الوطن من الإيمان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعترته وحزبه ، من خاضوا | الفيافي والقفار حتى جاء تاريخهم من أحسن الآثار .
( أما بعد ) فأقول وأنا المتوكل على مولاى المبدئ المعيد عبده محمد فريد | غفر الله له ولوالديه ولأرباب الحقوق عليه : لما كان لفن التاريخ فوائد جمة | وثمرات مهمة تعرب عما مضى من كوارث الأزمان والأوقات وتكشف عن | وجوه الحوادث قناع الشبهات فلكثرة نفعه وعظم وقعه كان له في الكتاب | المبين أصل قوى متين . قال الله تعالى : ' يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما | أنزلت التوارة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ' استدل على بطلان دعوى | اليهود في إبراهيم أنه يهودى وبطلان دعوى النصارى أنه نصراني بأن التوراة | والإنجيل إنما نزلا من بعده ، ولله الحجة البالغة والحكمة الدامغة إذ لولا التاريخ | لجهلت الدول ومات في الأيام الأخر ذكر الأول ، عن لى مع قلة بضاعتي | وكساد صناعتي أن أؤلف في وطني العزيز مختصر تاريخ وجيز يدل على فضل | جنتمكان محمد علي باشا الكبير على الشأن من هو أكبر مؤسس لديارنا المصرية | وأشهر مهندس لخططها النيلية على أحسن الوجوه كما يشهد له بذلك الوجوه ، | برد الله مضجعه ، وجعل في رياض النعيم مرتعه .
Page 29
وحيث كنت ممن تربى في المدارس الخديوية ذات الشهرة المرضية رأيت أن | أعتني بتأليف هذا الكتاب قياما للوطن بواجب أداء الخدمة وشكرا لما للحضرة | التوفيقية على جميعنا من النعمة ، حملني على ذلك انتشار المعارف والعلوم التي | | أصبحنا نتسابق في مضمار حلبتها يوما عن يوم ، وانتزع ما كان اعترى هممنا | من الفتور وخرجنا من الظلمات إلى النور بعناية خديو مصر الأعظم وعزيزها | الأكرم ذي العلم الآصفى والحلم الأحنفى والذكاء الأياسي والرأي الذي هو | لداء الأعداء الألداء ، وإن أعضل أعظم آسى ، الشهم القوي الجنان والسهم | النافذ في أكباد أهل العناد وإن كان مجبولا على الرأفة والحنان ، من تغنت بلابل | الأفكار من أمداحه بفنون ، وترنمت سواجع الأطيار من الثناء عليه بما أرقص | معاطف الغصون ، المتحلى بآداب السنة والكتاب ، المتخلى عن الميل مع الهوى | وهو في ريعان الشباب ، ذى الفضل الجم والبيان الذي أفحم بلغاء عصره وألجم | من سكنت هيبته ومحبته قلوب الخاص والعام وأغدق على أرباب دولته | بالتشاريف والانعام ، فكان قبولها دليل إقبالها وتلقيها بحول الله وقوته أصل | استقبالها ، فكانت على الدوام هي أولى له وهو أولى بها ألا هو سيد ولاة | الأمصار ، المعطر ذكره الذي ذاع في سائر الأقطار ، الجدير بالمدح على التحقيق ، | أفندينا خديو مصر ( محمد باشا توفيق ) حفظ الله دولته وأنجاله وحرس بعينه | التي لا تنام نظاره الكرام ورجال دولته الفخام والله المرجو لبلوغ كل مرام ومنه | جلت قدرته الإعانة في المبدأ وعليه حسن الختام . | |
Page 30
(المقدمة) 1 - مجيء محمد علي إلى مصر وتوليته
ولد ممدن مصر المغفور له محمد على باشا في مدينة قولة سنة 1182 | هجرية الموافقة سنة 1769 ميلادية وتوفي والده وهو في حداثة سنه وقام بتربيته | بعده عمه طوسون أغا ، كافل أمر ضبط هذه المدينة إلى أن قضى نحبه فقيض الله | له أحد أصدقاء والده للقيام بكفالته وكان ضابطا بجيش الإنكشارية ومقيما | بفرقته في مدينة ( براوستا ) بالقرب من قوله بصفة حاكم وجاب للخراج ، فرباه | مع ولده إلى أن بلغ أشده وصار يمرنه على قضاء بعض مهماته التي تتعلق | بوظيفته ، فوجد منه عضدا ومعينا فيها في بعض القرى التي لا تؤدي ما عليها إلا | بالتهديد الشديد أو استعمال القوى العسكرية ، فلم يزل كذلك حتى بلغ من | العمر ثمان عشرة سنة وذلك يوافق ( 1787 ) فزوجه بإحدى قريباته ليربطه | بعائلته ، وكانت زوجته ذات يسار فاشتعل بتجارة الدخان حيث كان يزرع في | هذه الجهة كثيرا ، وساعده على ذلك ما كان بينه وبين أحد التجار الفرنساويين | من العلائق الودية فبرع فيها حتى ربح منها كثيرا ونال شهرة جليلة بين تجار | هذا الصنف . | |
Page 31
مجيء محمد على باشا إلى مصر :
لما احتل الفرنساويون مصر تحت قيادة بونابرت في سنة 1798 أرسل | الباب العالي إلى الأقاليم والبلدان جميعها بتجهيز الجند لإخراجهم منها ، وطلب | أيضا من حاكم ( براوستا ) ثلثمائة جندي فجمعهم ، وجعل ولده علي أغا قائدا | لهم والمرحوم محمد علي باشا قائم مقام له .
فسارت هذه الكتيبة مع الدونانمة العثمانية إلى سواحل مصر حيث نزل | الجيش بأبي قير في يوم 14 يوليو سنة 1799 . وكان الجيش العثماني مؤلفا من | ثمانية عشر ألف مقاتل ومعه مدافع كثيرة من الطراز الجديد يتولاها ضباط من | الإنكليز ، وبعد قليل انتشب الحرب بين بونابرت والجيوش العثمانية واستمر | بينهما عدة أيام سجالا ، لثبات العثمانيين بموازة الدونانمة لهم ولعدم يأس | الفرنساويين من الإنتصار وبعد أن قتل عدد عظيم من الجانبين التجأ العثمانيون | إلى مراكبهم ، وكان ذلك في 2 أغسطس سنة 1799 ، ولبثوا فيها إلى أن تمكن | الباب العالي والإنكليز من إخراج الفرنساويين من مصر بتقدم جيش تركي | مركب من ثلاثين ألف مقاتل من جهة العريش فالصالحية فالقاهرة تحت قيادة | الصدر الأعظم يوسف باشا ونزول الإنكليز إلى الإسكندرية ( أول مارث سنة | 1801 ) ورشيد وصعودهم النيل إلى القاهرة على مراكب صغيرة أتوا بها من | بلادهم لهذا الغرض .
Page 32
وفي أثناء ذلك عاد على أغا قائد الكتيبة المقدونية ، فخلفه محمد علي باشا في | رياستها ثم بعد أن أخلى الفرنساويون القاهرة بمقتضى الإتفاق الذي أبرم بين | | الجنرال ( منو ) قائد الفرنساوية ، الذي ينسب مؤرخوهم خروجهم من مصر | لسوء إدارته وعدم كفاءته ، وبين الصدر الأعظم والأميرال كيث الإنكليزي في | 25 يونية سنة 1801 . وسافروا إلى بلادهم في أوائل سبتمبر من هذه السنة | وتبعهم الإنكليز ، وعادت بذلك سلطة الباب العالي إلى ما كانت عليه قبل | دخول الفرنساوية ، وعينت الدولة العلية خسرو باشا واليا من قبلها على | الحكومة المصرية في ثاني عشر جمادى الأولى سنة 1216 وكان بها إذ ذاك | من الجنود أربعة آلاف من الأرنؤد ، منهم فرقة تحت قيادة محمد علي باشا ، فلما | توسم فيه الإستعداد لمهمات الأمور وجه إليه التفاته ورقاه تدريجيا حتى وصل في | وقت قريب إلى رتبة ( سرششمه ) أي رئيس فرقة مؤلفة من ثلاثة أو أربعة آلاف | جندي ، ومن ذلك العهد أخذ في استعمال الجند واستمالة قلوبهم إليه للإستعانة | بهم عند سنوح الفرصة .
أما المماليك فكانوا لا يزالون يجادلون ويحاولون الإستقلال ، ويرغبون في | عدم رجوع مصر إلى الباب العالي وصيرورتها كغيرها من الولايات ، فلما بلغ | الدولة هذا الخبر أصدرت أوامرها إلى خسرو باشا بأن يقاتلهم حتى يفنوا عن | آخرهم ، وكانت قوتهم قد ضعفت لوقوع الشحناء بين رئيسيهم ، وهما عثمان | بك البرديسي ومحمد بك الألفي ، اللذان كانا يتنازعان السلطة ويود كل منهما | لو انفرد بها بدون مشارك أو منازع ، فوجه خسرو باشا جماعة من الأرنؤد | ومعهم فرقة محمد علي باشا لمحاربة المماليك بالقرب من الجيزة وكانت الدائرة | فيها على الأرنؤد قبل وصول محمد علي مع فرقته .
Page 33
فلما حصل ذلك حنق قائد هذه الحملة غيظا ، وعزم على نسبة عدم انتصاره | إلى تأخر محمد علي ، وأنه اتفق مع المماليك ، فسعى بذلك عند خسرو باشا فسر | بهذه التهمة الباطلة ومع اعتقاده بطلانها أرسل للمرحوم محمد علي يطلبه ليلا | إلى سرايه بالقلعة محتجا بأنه وردت إليه أوامر مهمة من دار الخلافة وأنه لابد أن | | يعلمه بها في الحال وأصر على قتله وأمر خدمة بذلك حين دخوله من الباب . | فلما وصل الطلب إلى محمد علي جزم بداهة بأن هذا الإستدعاء لم يكن إلا | للإيقاع به ، فتحير في أمره وعلم أنه إن لم يجب طلب الوالى عد ذلك عصيانا | وإن امتثل وذهب كان في ذهابه ذهاب حياته ، فبعد التروى في ذلك ظهر له | أرجحية عدم التوجه وآثر نسبة العصيان إليه على قتله وبات ليلته يترقب ما | يبدو له وقت الصباح .
فساعده الحظ الأوفر بقيام الجند على خسرو باشا ومأمور ماليته ( خزنة دار ) | لعدم صرف مرتباتهم وكان هذا ناشئا عن عدم تحصيل الخراج لإستيلاء المماليك | على الوجه القبلي وجزء عظيم من الوجه البحري بحيث لم يكن في حوزة الوالي | إلا القاهرة وثغر الإسكندرية وما بينهما من القرى والبلدان .
Page 34
ثم إن خسرو باشا أمر بإطلاق المدافع على الثائرين حتى خرب جزأ عظيما | من القاهرة ، ولما علم أركان حرب الوالي المدعو طاهر باشا بذلك نزل من | القلعة ليتوسط بين الفريقين ، فاتهمه الوالي بالإتحاد مع العصاة فاغتاظ طاهر باشا | ومال مع الجند وحارب الوالي إلى أن ألزمه بالفرار إلى المنصورة ثم انتقل إلى | دمياط وتحصن بها فاتخذ طاهر باشا هربه فرصة للحصول على الولاية ، وجمع | أعيان البلد وعلماءها وطلب منها أن يختاروه واليا على مصر حتى يعين الباب | العالي خلفا لخسرو باشا ، فأقره المجلس على ذلك ، لكنه لم يلبث الجند أن عصاه | خصوصا الإنكشارية لعدم صرفه مرتباتهم وصرف مرتبات الأرنؤد ليس إلا ، | فحاصروه في سرايه في يوم 25 مايو سنة 1803 وأرسلو إليه اثنين من أغواتهم | ليرفعا إليه شكواهم فلم يستعمل السياسة معهما ، بل نهرهما على عصيانهما | وطلب منهما أن يكونا مطيعين لأوامره فلم يرضيا بذلك واشتد الأمر بينه | وبينهما إلى أن جرد أحدهما سيفه وحز رأسه وألقاها من النافذة وكانت مدة | ولايته ستا وعشرين يوما . | | وبعد قتله رغب الإنكشارية في تولية أحمد باشا أحد أمراء الدولة وكان | موجودا بمصر أثناء توجهة للمدينة المنورة حيث عين واليا ، فلم يقبل محمد علي | باشا هذا التعيين بل صعد إلى القلعة ومعه آلاف من الأرنؤد وأراد أن | يقاوم الإنكشارية ولكنه لما علم أنه لا يقدر على المقاومة كاتب عثمان بيك | البرديسي المقيم بالصعيد وغيره من أمراء المماليك بأن يساعدوه على طرد | الإنكشارية ويرد مصر إلى حكمهم المطلق كما كانت عليه ، فاغتروا بوعده | وصاروا يأتون القاهرة أفواجا ، حتى استجمع محمد علي ياشا من القوة ما يقاوم | بها الإنكشارية وزيادة فنزل من القلعة وانضم معهم ثم تفرقوا في أنحاء القاهرة | وأحدقوا بمنزل أحمد باشا المذكور وهددوه وخيروه بين أمرين : الخروج من مصر | أو القتل ، فامتثل وخرج ثم نهبت العساكر داره .
ثم حول محمد على فكرته إلى الفتك بالإنكشارية خيفة أن يثوروا عليه كما | فعلوا مع طاهر باشا فأوعز إلى الأرنؤد بذلك فانقضوا عليهم كالسيل المنهمر | وسلبوا أموالهم وقتلوا أعيانهم ، فاجتمع الباقون منهم بمصر القديمة وعزموا على | التوجه إلى الشام من طريق الصحراء فهجم عليهم الأرنؤد وأعلموا فيهم | السيف حتى لم يبق إلا من اختفى منهم ، ففتشوا عليهم بالبيوت وغيرها ثم أطالوا | أيديهم إلى الأهالي وتعدوا عليهم بالأذى وتفرقوا في النواحي وأكثروا من النهب | خصوصا في الوجه البحري .
وكان إذ ذاك محمد خسرو باشا مقيما بثغر دمياط يقرر على أهلها ومن | جاورهم الأموال الباهظة ويسومهم سوء العذاب ألوانا فتوجه محمد علي باشا | وعثمان بك البرديسي لمقاتلته ، فحارباه وأسراه بعد أن هزما من معه في 14 | ربيع الأول سنة 1218 وأرسلاه إلى مصر في سجن القلعة .
Page 35
أما الأرنؤد فارتكبوا من أنواع السلب والنهب وغير ذلك ما يعجز عن | وصفه الواصفون ، ويكل عن إحاطته العالمون ، ثم عاد محمد علي باشا إلى مصر | | وتوجه البرديسي إلى رشيد لمحاربة من فيها من العثمانيين فهزمهم وأسر علي | باشا القبطان ، وحصل برشيد ما حصل بدمياط وكان الأرنؤد كلما مروا بقرية | نهبوا أموالها وقتلوا رجالها وسبوا نساءها وآذوا مردانها ولما وصل خبر هذه | الفوضى إلى دار الخلافة وعلم الباب العالي فوضوية مصر وأن لا والي لها يؤيد | سلطته ، أرسل إليها علي باشا الجزايرلي واليا عليها لإخماد هذه الثورة ومعاقبة | أمراء المماليك وكل من كان سببا في عزل خسرو باشا .
فلما وصل إلى الإسكندرية اشتغل بتدريب من أتى معه من الجند على النظام | الأوربي ، وأظهر له أمراء المماليك الميل والطاعة والإمتثال لأوامر الدولة ودعوه | للحضور إلى القاهرة فاغتر بذلك الوعد وخرج من الإسكندرية قاصدا العاصمة | فخرج عليه الأرنؤد في الطريق وقتلوا من كان معه من الجنود العثمانية وأسروا | الباشا وأتوا به إلى مصر أسيرا لا أميرا ، ومحكوما لا حاكما ، ثم أخرجه الأمراء | بقصد إرساله إلى الشام من طريق الصحراء وأمروا من رافقه من الجند بقلته في | الطريق فقتلوه قبل أن يصلوا إلى الصالحية .
Page 36
وفي أثناء هذه المدة عاد محمد بك الألفي من انكلترا ، التي كان قد ذهب | إليها ليطلب منها مساعدته على الإستقلال بمصر وإبادة الباقي من الأمراء | العاملين على معاكسته ويقال أنه وعدها بتسليمها بعض الثغور لو نال مرغوبه | بمساعدتها . ولما علم محمد علي باشا بقدوم الألفي خشى من اتحاده مع البرديسي | فيضيع عمله سدى ، فعمد إلى توغير صدر البرديسي علي محمد بك الألفي | فنجح في مسعاه حتى هم بالفتك به غدرا ولولا هرب الألفي إلى الصعيد لقتل | بدسيسة البرديسي ومحمد علي وبعد هرب الألفي إلى مصر العليا هاج الأرنؤد | علي البرديسي لطلب مرتباتهم ( وربما كان ذلك بإيعاز من محمد علي ) فأمر | البرديسي بضرب الضرائب الشديدة على أهالي العاصمة وخصوصا الأغنياء من | بينهم لإرضاء الجند فتذمرت الأهالي من هذا الظلم الدائم وشكوا أمرهم إلى | محمد علي باشا ، لما كانوا يرونه فيه من الميل إليهم والحنو عليهم فتلقاهم بالبشر | | والإيناس ووعدهم بالمساعدة على دفع المظالم ، ثم بعد قليل اتحد الأهالي مع | الأرنؤد وهاج الكل على البرديسي وحاصره بمنزله وأرادوا قتله لكنه تمكن من | الفرار وحارب مماليكه الجند وقاوموهم مقاومة عنيفة ، فصعد محمد علي باشا إلى | القلعة وأحكم مدافعه على الجهة التي بها منزل البرديسي فخرب أكثر منازلها | وانجلت هذه المعركة عن خروج كافة أمراء المماليك من القاهرة فنهبت بيوتهم | وسبيت نساؤهم ويتمت أطفالهم .
فصفا الجو لمحمد علي باشا ، لكن لحسن سياسته لم يرغب إظهار ما يكنه | صدره من الإنفراد بالحكم والإستقلال بولاية مصر بل تربص حتى تساعده | الفرص فينال مرغوبه بلا عناء ولا نصب . |
تعيين محمد علي باشا واليا على مصر :
Page 37
لما خرج عثمان بك البرديسي وكافة الأمراء من القاهرة ، دعا المرحوم محمد | علي باشا أعيان البلد وعلماءها وقال لهم أنه لا يليق بقاء مصر بدون وال | يواليها ولا سائس يسوسها ولا راع يراعيها ، وأن الأولى إخراج خسرو باشا من | سجنه بالقلعة وجعله واليا فأقر المجلس على ذلك وأخرج الباشا من السجن . | لكن بعد يوم ونصف ثار عليه رؤساء الأرنؤد وطلبوا من محمد علي إخراجه من | مصر وطرده منها فأذعن لطلبهم وأرسله تحت الحفظ إلى رشيد ومنها إلى | إسلامبول ، ثم طلب محمد علي من الأرنؤد أن يعين أحمد باشا خورشيد واليا | على مصر فرضي الكل بذلك بشرط تولية محمد علي قائم مقام له وبذلك | انحسم النزاع وحرر بذلك محضر وأرسل للباب العالي للتصديق عليه فصدق | على ما حصل وأرسل بذلك فرمانا مع مخصوص من طرفه فقام خورشيد باشا | من الإسكندرية وانتقل إلى القاهرة وحصل بعد ذلك وقائع لها وقع بين الجند | والمماليك الذين كانت سلطتهم مبسوطة على الصعيد إلى الجيزة . وبينما محمد | | على مشتعل بمحاربتهم استحضر خورشيد باشا طائفة من الدلاة ليجعلهم | حرسا لنفسه وذلك لتوجسه خيفة من محمد علي وجنوده الأرنؤد وعدم ثقته | بهم ، لا سيما وكان الأهالي يميلون كل الميل إلى محمد علي لإستعماله اللطف | واللين معهم خصوصا مع العلماء والأعيان .
فلما علم محمد علي بحضور هؤلاء الدلاة عاد بسرعة إلى القاهرة واشتغل بمقابلة علمائها وصار يشنع لهم على الدلاة وما ارتكبوه وكانوا قد انتشروا في | البلد كالجراد ينهبون وفي العالم يقتلون وفي النساء يهتكون ويأخذون أموال | الناس ظلما وبهتانا وصار محمد علي يحرض الناس على رفع شكواهم إلى الوالي | فاتبعوه وتظلموا لخورشيد باشا ، فكان يعدهم بالنظر بالنظر في شكواهم والتأمل في | بلواهم ولا يمكنه الوفاء بوعده مراعاة للجند حتى مل الأهالي من إزدياد الجور | والتعدي وانتشر الهياج في كافة أنحاء البلد وخاف كل فريق من الآخر .
Page 38