وأنفق السنة الأولى من حياته في باريس لا يخرج من بيته إلا إلى السوربون، فكان سجينا أو كالسجين. لم يذكر قط أنه خرج من باريس إلى ضاحية من ضواحيها في أيام الراحة التي كان رفاقه ينفقون فيها أيام الآحاد. ولم يذكر قط أنه اختلف إلى قهوة من قهوات الحي اللاتيني التي كان رفاقه الجادون يلمون بها بين حين وحين. وكان أكثر الطلاب المصريين يختلفون إليها أكثر مما كانوا يختلفون إلى الجامعة. وإنما كان يلزم بيته في أيام الراحة لا يفارقه، وربما خلا إلى نفسه اليوم كله في غرفته، إلا أن يلم به ذلك الصوت العذب فيقضي معه ساعة من نهار.
وكان يسمع أنباء المسارح ومعاهد الموسيقى واللهو، وكانت نفسه ربما نازعته إلى بعض هذه المسارح ليسمع هذه القصة أو تلك، ولكنه كان يرد نفسه في يسر إلى القناعة والرضا. وكيف السبيل إلى غير ذلك وهو لا يستطيع أن يذهب وحده إلى حيث يريد، ولا يستطيع أن يدعو غيره إلى مرافقته، ولا يريد أن يكلف غيره من الناس عناء مرافقته من جهة، وتحمل ما تقتضيه هذه المرافقة من النفقات من جهة أخرى. ولم تكن ذكرى أبي العلاء تفارقه في لحظة من لحظات اليقظة إلا أن يشغل عنها بالاستماع إلى الدرس أو إلى القراءة، كان يذكر دائما قول أبي العلاء في آخر كتاب من كتبه أنه رجل مستطيع بغيره، وكان يرى نفسه مستطيعا بغيره دائما، ويحتمل في سبيل ذلك من غيره - هذا الذي يتيح له الاستطاعة - ألوانا من المشقة وفنونا من الأذى بدون أن ينكر منها شيئا؛ فهو مكره على احتمالها إكراها، وهو مخير بين أن يقبل ما يكره من غيره من الذين كانوا يعينونه على ما يريد أو يرفضه، فيضطر إلى العجز المطلق اضطرارا، ويضيع حياته في باريس؛ بل حياته كلها في باريس أو غير باريس. وكيف السبيل له إلى أن يذهب إلى السوربون ليسمع الدروس فيها إذا لم تعنه على ذلك هذه السيدة التي لم يكن من معونتها بد، والتي كانت ترفق به أحيانا وتعنف به أحيانا أخرى؟ وربما صحبته من البيت إلى الجامعة بدون أن تلقي إليه كلمة أو يسمع لها صوتا، وإنما كانت تعطيه ذراعها وتمضي معه صامته كأنما تجر متاعا لا ينطق ولا يفكر، حتى إذا بلغت قاعة الدرس أجلسته إلى مائدة من موائدها، وانصرفت عنه إلى خارج القاعة فانتظرت حتى إذا فرغ الأستاذ من درسه أقبلت عليه فأقامته من مجلسه، ومضت به إلى بيته، حتى إذا انتهت به إلى غرفته أدخلته فيها وأغلقت من دونه الباب، وهي تقول له في صوت خاطف: «إلى اللقاء في ساعة كذا من النهار.»
وربما اعتذرت هذه السيدة من مهمتها بعد أن تجد له سيدة أخرى تقوم مقامها، فكانت هذه السيدة الثانية ثرثارة تؤذيه بحديثها المتصل أكثر مما كانت تلك تؤذيه بصمتها الملح.
على أن عجز الفتى لم يكن مقصورا على ذهابه إلى الجامعة وعودته منها، وإنما كان عاما شاملا يمس الفتى في أشد الأشياء لزوما له، فهو كان يستحي من كل شيء ويكره أن يثير الضحك منه أو الرثاء له والإشفاق عليه. وكان شرطه حين سكن في البيت الذي أقام فيه ألا يشارك أهله في طعامهم، وإنما يخلو إلى طعامه الذي يحب أن يحمل إليه في غرفته حين يأتي وقته، فكان الطعام يحمل إليه ويوضع بين يديه ثم يخلى بينه وبينه فيصيب منه ما يستطيع لا ما يريد، يحسن ذلك أحيانا ويخطئه أحيانا أخرى. وربما وضع بين يديه من ألوان الطعام ما لا يحسن تناوله فيتركه مؤثرا العافية، محتملا في سبيلها ما قد يتعرض له أحيانا من ألم الجوع.
وظل الفتى على هذه الحال أشهرا، ولكن الله رفق به بعد ذلك فأتاح له من كان يهيئ له طعامه ويعلمه كيف يرضي منه حاجته.
واتخذ الفتى زي الأوروبيين، وما أسرع ما تعلم الدخول فيه والخروج منه، إلا شيئا واحدا لم يحسنه أعواما طوالا، وهو هذا الرباط السخيف الذي يديره الناس حول أعناقهم ثم يعقدونه بعد ذلك من أمام عقدة يتأنقون فيها قليلا أو كثيرا!
لم يفتح الله على صاحبنا بتعلم هذا الجزء من زيه، فكان أخوه يدير له هذا الرباط حول عنقه ما عاشا معا في مونبلييه.
فلما افترقا حار الفتى في أمره، ولكن صديقه الدرعمي أخرجه من هذه الحيرة، واشترى له أربطة مهيأة لا تحتاج إلى عناء، وإنما تدار حول العنق في يسر ويجمع بين طرفيها في يسر أيضا، وقد هيئت عقدتها فليس محتاجا إلى أن يتكلف عقدها وتسويتها والتأنق القليل أو الكثير فيها. ولكنه كان مضطرا إلى ألا يفكر مطلقا في الملاءمة بين هذه الأربطة وبين ما كان يتخذ من ثياب. وربما اتخذ منها رباطا واحدا يديره حول عنقه في كل يوم ويمضي على ذلك الأسابيع المتصلة. وربما لاحظ هذا الرفيق أو ذاك من رفاقه اختلافا بين ثوبه ورباط عنقه. وربما أعانه صديقه الدرعمي فتقدم إليه في أن يغير هذا الرباط واختار له ما يلائم زيه مما كان عنده من هذا السخف الذي لم يفهم له معنى قط.
وكذلك عاش الفتى عامه الأول أو أكثر هذا العام، مضطربا في هذه الحياة المادية المختلطة المعقدة من جميع نواحيها. وربما كان يجد بعض الألم في ذلك، ولكنه كان يمر به مرا سريعا لا يقف عنده ولا يفكر فيه إلا قليلا. كان يعزيه عن ذلك إقباله على الدرس، وإحساسه الانتفاع به والتقدم فيه، وشعوره بأنه قد أخذ يفهم الفرنسية في غير مشقة ولا عسر، ويقرأ كتب التاريخ والأدب والفلسفة، فلا يجد في فهمها جهدا ولا عناء. قد انقطع لذلك انقطاعا تاما، فهان عليه منه ما كان صعبا، ويسر له منه ما كان عسيرا.
ولم تكن حياته العقلية أقل تعقيدا والتواء من حياته المادية، فلم يكد يختلف إلى دروس التاريخ والأدب في السوربون حتى أحس أنه لم يكن قد هيئ لها، وأنه لا يفهمها ولا يسيغها كما كان ينبغي أن تفهم وتساغ، وأن درسه الطويل في الأزهر وفي الجامعة لم يهيئه للانتفاع بهذه الدروس.
Page inconnue