Mes papiers... Ma vie (Première partie)
أوراقي … حياتي (الجزء الأول)
Genres
كنت أخاف من الجلوس وحدي في الظلام، أخشى أن تنقض علي روح من تلك الأرواح الخفية، جلست تلك الليلة وحدي في الظلمة، كنت أفكر في شيء خطير أنساني الجان والعفاريت، هل أتسلل في الليل وأهرب من البيت قبل أن يأتي الصبح؟
كانت الفكرة تسيطر على عقلي إلى حد الرعدة، هل أمشي في الظلمة وحدي؟ تفترسني الذئاب التي تعوي طوال الليل، يسرقني اللصوص الذين يخرجون إلى الشوارع بعد أن ينام الناس؟
أنتفض جالسة فوق الشلتة في المقعد القش، المخاطر كلها تضاءلت إلى جوار الخطر القادم في الساعة السادسة والنصف مساء الغد ...
الجميع يرتبون لهذا الموعد من وراء ظهري، أشياء جديدة كانت تأتي، فناجين قهوة مزركشة لم أرها من قبل، أكواب تلمع مثل الكريستال، مفارش فوق المناضد، ستائر فوق النوافذ، البياضات فوق الكراسي، كلها انغسلت وانضغطت تحت المكواة الحديدية. السجادة العجمية الكبيرة في الصالون خرجت فوق سور الفرندة تحت الشمس، بالمضرب الخيزران ضربتها أمي وثلاث من النسوة حتى آخر ذرة تراب، تحت الضربات كانت السجادة تحتك بالسور الحجري، يصدر عنها صوت كأنين إنسان من لحم ودم.
هذه السجادة العجمية رافقت أمي من ليلة زفافها حتى ليلة موتها، تنتقل معنا من بيت إلى بيت، ومن بلد إلى بلد، حيث يحلو للحكومة أن ترسل أبي، داست فوقها الأقدام من الضيوف والزوار، شهدت مولدي ومولد إخوتي التسعة، ألوانها الزاهية بهتت مع السنين، يتراكم التراب في ثناياها مع الحزن، وهبوب الرياح، ينحل وبرها في برد الشتاء إلى حد وجود ثقب تراه العيون.
أمي حين تضرب السجادة تغلق جفونها وتزم شفتيها، ترفع المضرب الخيزران عاليا ينطح السماء، تهبط فوق السجادة بكل قوتها، كأنما تضرب مخلوقا حيا ليلفظ النفس الأخير، تبدو أمي امرأة أخرى ليست أمي، ليست المرأة الرقيقة ذات الصوت الناعم، البشرة الحريرية والعيون العسلية.
كل شيء فيها يتغير حتى لون عينيها، تكسوهما طبقة رمادية معتمة كعيني أمها، تضرب الخادمة بالمضرب الخيزران نفسه، بكل قوتها تضربها، بالغضب المخزون في جسدها منذ ولدتها أمها.
لم تشترك طنط نعمات ذلك اليوم في ضرب السجادة، كان لها دور آخر مع عمتي رقية، قبضت علي الاثنتان داخل الحمام، واحدة أمسكت يدي الاثنتين، الثانية فرشت «الحلاوة» فوق ذراعي كما تفرش لبخة الأنتوفلوجستين، ثم راحت تنزع الشعر عن الجلد ... صراخي كان يرتفع من وراء باب الحمام، أرفسهما بقدمي وركبتي، جاءت ستي الحاجة وربتت على كتفي: كله لمصلحتك يا عين أمك.
ما هي مصلحتي في نزع الشعر عن جسدي؟ أدرك بالفطرة أن الشعر فوق الجسد نوع من القوة، الكرامة؟
أي مصلحة في البشرة المسلوخة الملساء مثل جلد الثعبان ؟ أي نوع من العرسان ينجذب لهذه البشرة؟ أي نوع من الرغبة أو الشهوة تثيرها هذه البشرة إلا شهوة الاغتصاب والإذلال؟!
Page inconnue