Mes papiers... Ma vie (Première partie)
أوراقي … حياتي (الجزء الأول)
Genres
ناقصه إيه الدكتور يا نوال؟ سألني أبي بعد أن انتهت الزيارة، لم أكن أملك الإجابة، رأيته جالسا في غرفة الصالون داخل بدلته اللامعة، الدبوس الذهبي في الكرافتة يلمع، أسنانه تلمع، شعره الأسود يلمع، الخاتم في إصبعه يلمع، كل شيء فيه يلمع إلا العينين؛ لم يكن يجذبني شيء في الكائنات الحية إلا بريق العينين، ليس أي بريق، فالقط المتوحش أو النمر المفترس في عينه بريق، كنت أبحث عن بريق خاص لا أراه إلا في عيني الإنسان، لماذا ضاع هذا البريق من عيني الدكتور رشاد؟! لم أعرف، كل ما عرفت أن في عينيه نظرة مليئة بالقسوة وإن كان صوته رقيقا مليئا بالحنان.
لم يغفر لي الدكتور رشاد أنني رفضته، كالجرح الغائر في جسده لم يلتئم، كانت البنات والنساء يتمنينه، فلماذا لم يرغب إلا فيمن ترفضه؟ أهي الرجولة الهشة تتهاوى عند أي هزة؟ أو الغرور الذكري ينقلب إلى النقيض عند أي تهديد؟!
ولم يؤنبني أحد على ضياع هذا العريس كما فعلوا مع العريس الأول حين كنت في العاشرة من العمر، صمت الجميع في وجوم، إلا طنط نعمات قالت بصوت كنعيق البوم: «منفوخة على إيه يا ست نوال ... ده جواز المطلقة زي أكل الطبيخ البايت! ويا ريت مطلقة وبس لكن كمان مخلفة وعندك بنت!»
رنت في أذني كلمة «بنت» كطلقة الرصاص، كتلة متجمدة من الحزن لها كثافة الرصاص، متراكمة في جسد طنط نعمات منذ ولدت من أمها حتى تزوجت بلا حب، وطلقت بلا سبب، وماتت قبل أن تموت، خرجت الكلمة من فمها متجمدة كالبصمة، رمادية بلون النني في عينيها، اخترقت رأسي وعادت بذاكرتي إلى الوراء، حين ولدت بنتا وليس ولدا مثل أخي، حين دب الصمت في الكون ولم تنطلق الزغاريد من أفواه النسوة، أيكون مجيئي إلى الحياة سببا لحزن أهلي؟!
هذا السؤال لم يكف في طفولتي عن الدق في رأسي، مثل المطرقة فوق رأس مسمار، لماذا يكون وجودي في الحياة سببا لحزن أهلي؟ كنت أحب أهلي رغم حزنهم على وجودي، يدور في رأسي سؤال آخر: كيف يتحول وجودي من سبب للحزن إلى سبب للفرح؟! كيف أنتزع البسمة أو الضحكة من تلك الأفواه المزمومة؟! كان الفرح الوحيد بالبنت يوم يأتيها العريس، تنفرج الأسارير وتنطلق الزغاريد، كان فرحي الوحيد حين أنجح في الدراسة، في العلم أو الطب أو الأدب، هذه المجالات كانوا يسمونها رجولية، وما هي المجالات الأنثوية عندهم؟! دعك المراحيض أو مسح البلاط وتقشير البصل والثوم.
أصبح السؤال يدور في رأسي منذ الطفولة: كيف تتغير قلوبهم فيدخلها الفرح بنجاحي في الطب أو الأدب أكثر من نجاحي في دعك المراحيض؟ كيف تتغير أحلام أمي وأبي فيريانني داخل معطف الأطباء أو الأدباء وليس داخل فستان الزفاف.
كان الطريق طويلا شاقا مليئا بالحفر والانتكاسات، قد يفرح أبي وأمي بنجاحي في الطب، لكن سرعان ما يتبدد الفرح حين لا أخضع لإرادتهما فيما يخص حياتي، أو حين لا أنجح في ولادة الذكر وإنما هي أنثى، بنت، بنت، بنت! الكلمة بأصواتهم خاصة صوت طنط نعمات يملؤني بالغضب، بالتحدي، سوف تكون هذه البنت رغم أنوفهم سببا للفرح، سأفرح بابنتي وإن حزنوا، سأطلق زغرودة طويلة ممدودة في الزمان حتى ألف عام، ممدودة في المكان حتى السماء السابعة، حتى آذان الآلهة أو الشياطين إذا كانت لهم آذان، سأعلن في الكون أنني ولدت بنتا وأنني أتحدى بها العالم، أغير بها العالم ليفرح بالبنت كما يفرح بالولد وربما أكثر وأكثر.
في قمة الربيع عام 1956م، في اليوم الثامن من شهر أبريل جاءت ابنتي «منى» إلى الوجود، آلام الولادة تبددت لحظة الولادة، كأنما هي آلام وهمية مفروضة على النساء منذ نزول الآية: «تلدين في الأسى والألم ويكون اشتياقك لزوجك وهو يسود عليك.»
في المدرسة الابتدائية في منوف قرأت هذه الآية في «الإنجيل»، قال أبي إن الإنجيل كتاب الله مثل التوراة أنزلهما الله هدى ونورا للناس يؤمن بهما المسلمون كالقرآن، لم يكن عقلي الطفولي قادرا على هذا الإيمان، تتكور الآية في حلقي كالغصة: «تلدين في الأسى والألم ويكون اشتياقك لزوجك وهو يسود عليك.» لم أكن اعرف ماذا يعني الله بعبارة «ويكون اشتياقك لزوجك وهو يسود عليك.» تصورت أن المرأة إذا اشتاقت لزوجها فهو يسيطر عليها، قلت لنفسي: لن أتزوج أبدا، وإن تزوجت فلن أشتاق لزوجي، وإن اشتقت فلن يسود علي.
تفجر في كياني لحظة الولادة شلال عجيب من الفرح، شلال عجيب من الأحاسيس اسمه الأمومة، قبل أن تأتي ابنتي إلى الوجود لم أعرف ما معنى الأمومة، في أحلامي لم أر نفسي أما تحمل على كتفها طفلا، أو ترضعه من ثديها، كنت أحمل سلاحا لتحرير الوطن، أو مشرطا لتشريح الجسد، أو قلما أكتب به القصص، لحظة الولادة تغير جسدي، تفجر منه الشلال المتراكم في التاريخ، المخزون في خلايا الجسد والعقل والروح، التحم ثلاثتهم في شيء واحد اسمه الأمومة ، أصبح الجسد والعقل والروح كيانا واحدا صلبا هو الأم، بين ذراعي الأم كانت الطفلة المولودة أشبه بالمعجزة، هذه القدرة على تكرار نفسي داخل جسد آخر له ملامحي، وشكل أصابعي، والمقلتان تشعان الضوء كإشراقة الشمس، وهذا الاكتشاف الجديد كالنهر المتدفق باللبن الدافئ، يسري من جسدي في طفولتي، أنا وهي كيان واحد، أفتح عيني وأصحو فوق صدرها كالشاطئ الوحيد في البحر الواسع، النبض في صدرها يدق مع النبض في صدري، تمديدها الصغيرة تمسك يدي، عيناها عسليتان بلون عيني أمي، تتطلعان نحوي باندهاش بفرحة اكتشاف الأم، أصابعها الخمسة الصغيرة تلتف حول يدي كما التفت أصابعي الخمسة حول يد أمي وأنا أرقد بجوارها ليلة مولدي.
Page inconnue