800

ولا يخفى لطف هذا النظر ودقته، والجواب عنه أن الكناية الخفية ما كان الانتقال فيها محتاجا إلى تأمل قبل الاشتهار، وعريض القفاء لاشتهاره في الكناية عن البلاهة التحقق بالصريح، فيحسن أن يكنى عنه بعريض الوسادة، ويحتمل أن يكون منعا لكون قولهم عريض الوسادة كناية عن الكناية، فإنهم يقصدون به # البلاهة، وليس الوسادة كناية قصد عريض القفاء بها، إلى مجرد فرض وتقدير، فلا يصح قول السكاكي كما في قولهم: عريض الوسادة كناية عن هذه الكناية، وحينئذ لا جواب له.

ويحتمل أن يكون إن القريب ما لا يكون بينه وبين المطلوب واسطة، ولا خفاء في أن المطلوب بعريض الوسادة الأبله، سواء قصد به عريض القفا والأبله ، فلا يحتمل أن يكون قريبا.

وجوابه حينئذ: أن المطلوب عبارة عن المقصود من اللفظ لا ما لا يكون وسيلة إلى شيء آخر بعد إفادته باللفظ.

(وإن كان) أي: الانتقال (بواسطة) فهي (بعيدة) فضلا عن أن يكون بأكثر من واسطة، ولم يقل: وإلا فبعيدة لئلا يشتبه المعطوف عليه، ولأن الأعذب مقابلة الإثبات والنفي، لا مقابلة النفي ونفيه (كقولهم كثير الرماد كناية عن المضياف، فإنه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدر، ومنها) أي: ومن كثرة الإحراق وكذا كل ضمير يأتي إلى كثرة قبله (إلى كثرة الطبايخ، ومنها إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الضيفان) بكسر الضاد جمع ضيف.

و(منها إلى المقصود) وهو المضياف، وبحسب قلة الوسائط وكثرتها وسرعة الانتقال في كل مرتبة وبطؤها تختلف الدلالة على المقصود وضوحا وخفاء.

(الثالثة المطلوب بها نسبة) (¬1) سواء كان طرفا النسبة مذكورين صريحين، فتنفرد الكناية في النسبة أو أحدهما، مذكور صريحا والآخر كناية، فتجتمع الكناية في النسبة مع الكناية عن الموصوف أو الصفة؛ إذ كلاهما مذكورين كناية فتجتمع الأقسام الثلاثة فالاحتمالات العقلية سبعة؛ أربعة منها اجتماع الثالث أو اثنان منها، ولا يبطل بشيء منها حصر القسمة؛ لأن المقسم مقيد بالوحدة كما في سائر التقسيمات.

Page 351