تأهبت للرحيل، وكانت فورة النفوس التي نتجت عن توفيقنا في الحصاد قد هدأت، بل أخذ الفلاحون في إعلان تذمرهم من قلة نصيبهم من المحصول؛ ذلك أنه لم يبق إلا النزر القليل بعد أن دفع للدولة مقدار لقاء استخدام الآلات، ومقدار يسد النقص في الاحتياط المخزون، وبعد أن تسلمت الحكومة حقها كاملا من المحصول، فكانت نسبة ما بقي للمزارعين هي أربعة أرطال ونصف الرطل، أو يزيد قليلا، عن كل يوم في العمل لكل شخص، وهو مقدار يروعك بضآلته، أين هو مما يكفي لإطعام أسرة كاملة بله أن يمكن أصحابه من شراء الثياب وسائر ضرورات الحياة مدى عام كامل.
نعم، إنهم كانوا يأخذون بالإضافة إلى ذلك شيئا من أنواع الحبوب الأخرى ومقدارا من الخضر، ولكن ماذا كان في مستطاعهم أن يشتروه بما يحصلونه من كدح عملهم؟ إن أرخص حذاء يلبسه ريفي في ذلك الوقت كان ثمنه ثمانين روبلا، وأبسط رداء قطني كان ثمنه مائة، فبالأثمان الرسمية التي كانت الدولة تشتري بها الغلال، لم يكن الفلاح ليستطيع أن يشتري بأجوره مدى عام كامل أكثر من حذاء ورداء واحد! ولما كان النظام الحكومي نفسه هو الذي يشرف على شراء الغلال وبيع الحذاء سواء بسواء، ولما كان ذلك النظام يقتضي أن تحدد الأثمان في كلتا الحالين بما يلائم مصالح الحكومة، فقد كان ذلك النظام في حقيقة أمره استغلالا ذا حدين، وإلى جانبه رجال الشرطة السياسية والمستبدون من أعضاء الحزب يفرضون أنظمة اقتصادية لا تعرف شيئا من الرحمة الإنسانية.
كان بعض الفلاحين أميا لا يعرف القراءة، لكنهم جميعا، من يقرأ منهم ومن لا يقرأ، كانوا يفهمون الظلم بأوفى معانيه، ولطالما قالوا في نغمة الساخر: «اشتراكية، خير لك أن تسميها سرقة ونهبا، فتلك تسمية أدل على المراد.»
قابلت «يوري» خلال تلك الأشهر مرات عدة، وحدث ذات مرة أني تدخلت لصالحه في القسم السياسي فمنعت عنه عقابا، ولقد أيأسه ما صادفه من مر التجربة، وأحزنه أن يرى حركة الحصاد في مزرعته متأخرة عنها في مزرعتي بمسافة طويلة من الزمن، على أن علاقة الود بيننا كانت تقرب بين قلبينا، فكيف يسبق إلى ظني أنه سيصبح بعد أعوام واحدا من جماعة توجه إلي التهم حين كنت في موقف سياسي لا أحسد عليه؟ لست أشك في أنه صنع ما صنع مدفوعا بإرغام لم يكن له قبل برده.
ولما آن رحيلي أوشك أهل القرية جميعا أن يخرجوا لتوديعي، وقد سالت العبرات على وجه «إيفان بتروفتش» ذلك الكهل الرفيق، واستوعدني «شاداي» وأسرته أن أراسلهم، وأخيرا فرقع الحوذي بسوطه لجياده، فلوحت للمودعين مودعا.
الفصل العاشر
أول ما رأيت من حركة التطهير
لم يكن يسيرا علي أن أوائم بين نفسي وبين مجرى الحياة المألوفة بعد عودتي من أقاليم المجاعة، فالفصول الدراسية في المعهد، والمؤتمرات التي تعقد في المصنع، والاجتماعات المركزية بل ومكرورات الحياة اليومية في المنزل، كل هذه بدت لعيني تافهة بالقياس إلى ما عدت به من ذكريات، لقد كنت ثائرا قلقا، وحاول أبي أن يسترويني قصة كاملة عما شهدته، لكنه حاول عبثا فأمسك، وسرعان ما تنمو عند الشيوعيين مناعة تحول بينهم وبين التأثر بما تردده الصحف والمذياع والاجتماعات من ألوان اللجاجة الجوفاء، أما أنا فقد عدت من ثورة النفس بحيث كانت هذه الأشياء تحرك في صدري شجنا أوشك أن تكون له لذعة الألم ينزل بالبدن.
وإذ أعود الآن بالذاكرة إلى ذلك العهد، أراني أميل إلى العقيدة بأني إذ ذاك كنت قد بدأت في طوية نفسي وثنايا ضميري، أن أعتزل الحزب، فالمفازع التي شهدتها في الريف تركت في نفسي جروحا هيهات أن تندمل، ومع ذلك، فلهذا السبب عينه أخذ عقلي الواعي يتلمس تلمس اليائس طريقا يهادن به ضميري، وما أحسب أن قد كان أمامي طريق آخر، في ظروف تحتم عليك إذا أردت أن تعيش، أن تذعن للأمر الواقع الذي لم يكن منه مهرب لهارب.
ومع ذلك فلم يكن في مقدور إنسان أن «يترك» الحزب حين يشاء، بل لم يكن في مقدور إنسان أن يتراخى في نشاطه إزاء الحزب أو أن يبدي من الأمارات ما ينم عن ضعف إيمانه فيه، فإذا ما التحق إنسان بالحزب فقد وقع في الفخ إلى الأبد، نعم يجوز للحزب أن يطرده، ويكون معنى ذلك أن تنزل به الكوارث، لكن ليس في وسعه هو أن يتنحى منشقا عليه، فلو كنت أظهرت ما يدور في صدري من عواطف على حقيقتها؛ لكانت النتيجة إبعادي عن المدرسة ووصمي بالعار وتعقبي بألوان الاضطهاد، بل ربما كانت النتيجة المحتومة أن يزج بي في معسكرات الاعتقال أو ما هو شر من ذلك وبالا.
Page inconnue