Articles from Dorar.net
مقالات موقع الدرر السنية
Maison d'édition
موقع الدرر السنية dorar.net
وعدت واتهمت نفسي بالقصور في العلم، وطفقت أبحث عن فعل النبي ﷺ وأصحابه والأئمة الأربعة (أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد) عليهم رحمة الله، فهالني أنني لم أجد حديثًا واحدًا لا صحيحًا ولا ضعيفًا بل ولا موضوعًا أن النبي ﷺ احتفل بمولد نبيٍّ من الأنبياء، ولم أجد أثرًا واحدًا لا صحيحًا ولا ضعيفًا بل ولا موضوعًا عن صحابيٍّ واحدٍ أنه احتفل بمولد النبي ﷺ، بل لم أجد إمامًا واحدًا من الأئمة الأربعة فعل ذلك.
فقلت يا سبحان الله!
أمرٌ لم يفعله رسول الله ﷺ ولا صحابته الكرام ﵃ ولا إمامٌ من الأئمة الأربعة المتبوعين، وأفعله أنا، لا والله.
ومع ذلك أكملت قراءتي وأنهيت قراءة الغزوات وفتح مكة، وها أنا ذا قاربت من نهاية كتاب السيرة الذي بين يدي.
إنها اللحظات الأخيرة الحرجة في حياته ﷺ، إنها الساعة التي أظلم فيها كل شيء، ساعة وفاته ﷺ.
إنها الداهية العظمى والمصيبة الكبرى التي قال لنا فيها ﷺ: «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتِهِ بِي فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ».
حقًّا إنه يوم الخسران الأكبر، يوم أن انقطع الوحي الشريف، وانقطعت السماء عن الأرض. يقول أنسرضي الله عنه: «لما كان اليومُ الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينةَ أضاء منها كلُّ شيء، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلَّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيديَ حتى أنكرنا قلوبنا» رواه الترمذي بسند صحيح.
لقد فاضت روحه الشريفة ﷺ إلى الرفيق الأعلى في الثاني عشر من ربيع الأول في السنة الحاديةَ عشرةَ للهجرة.
هنا لم تختلف كتب السير في تحديد يومِ وفاته كما اختلفت في تحديد يوم ولادته.
ربطتُ بين المناسبتين، مناسبة الوفاة المجزوم بها مع مناسبة الولادة المظنون بها في شهر واحد وفي يوم واحد.
فصرختُ: يا إلهي!! كيف لي أن أحتفل بيوم وفاته ﷺ؟!
كيف لعقلٍ أن يجمع بين فرح وسرور وحزن وألم في نفس الوقت؟!
يا إلهي!! أيجوز لأحد يُحِبُّ النبي ﷺ أن يحتفل بموته ﷺ؟!
بل لو دعا إنسانٌ إلى جعل يوم الثاني عشر من ربيع الأول يوم حزن لكانت شبهته أقوى من شبهة المحتفلين بذلك اليوم، لماذا؟
لأن الأحزان غَلَّابةٌ على الأفراح، فلو قُدِّر أنه توفي والد أحد الزوجين في ليلة عرسهما، لعُدَّ احتفالهم تلك الليلة ضربا من الجنون. وهكذا لو مات ولدك يوم العيد، لانقلب فرح العيد حُزْنًا ومأتمًا وعزاءً.
إن أعداء المسلمين سيضحكون علينا:
فإن نحن ابتهجنا وفَرِحْنَا بولادته ﷺ قالوا: انظروا إلى المسلمين إنهم يفرحون بوفاة نبيهم!
وإن نحن حَزِنَّا وصَنَعْنا مأتمًا لوفاته ﷺ قالوا: انظروا إلى المسلمين إنهم يحزنون لولادة نبيهم.
فماذا نفعل؟
الأمر يسير، إننا لسنا بحاجة إلى احتفاء أو عزاء، إنما اتباع للنبي ﷺ.
ولهذا لا غرابة أن كان العُبَيْديون الرافضة هم أول من أحدث بدعة المولد. فهل هؤلاء أهل للاقتداء والائتساء؟!.
إلى هنا وسأستريح قليلا عن قراءة السيرة بعدما تبينت لي الأمور، وانكشفت لي الحقائق.
هل سأحتفل بمولد النبي ﷺ؟
لا، لن أحتفل بالمولد بعد اليوم.
إن احتفالي الحقيقي هو أن أسير على خطاه ﷺ، وأن أحيي سنته، وأن أدافع عنها، وأن أُحِبَّه وأحبَّ آلَ بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين.
اللهم إنا نُشهدك يا الله بأننا نحب عبدَك ونبيَّك سيدَنا محمدًا ﷺ، اللهم ارزقنا بمحبتنا له شفاعةً تنجينا بها من عذاب أليم، وتُدخِلُنا بها جنتك ياربَّ العالمين. وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
1 / 346