Opinions critiques sur les problèmes de pensée et de culture
آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة
Genres
ولو بحثنا في أية أسطورة عن دلالات حرفية مباشرة؛ لوجدناها بالطبع مدعاة إلى السخرية، ولكن هذه الطريقة في تأمل الأسطورية تفوت علينا فهم دلالتها الحقيقية، وهي الدلالة «الرمزية»، التي تتحول فيها قوى الطبيعة إلى رموز حافلة بالمعاني المعبرة عن أعمق ما في النفس البشرية في هذه المرحلة من تاريخها. •••
أما الميتافيزيقا، فقد قيل عنها إنها لا تقرر شيئا، وأكد كارناب
Carnap
وفتجنشتين
Wittgenstein
أن قضاياها ليست صادقة ولا كاذبة، وأنها بالتالي تخرج عن نطاق عالم المعنى، وإنه لعسير على الإنسان أن يرى ميدانا كاملا من ميادين الفكر البشري - هو في الوقت ذاته واحد من أقدم ميادين هذا الفكر - يستبعد بهذه السرعة وهذه السهولة، من مجال ما له معنى من نواتج الذهن الإنساني، فهل كان النشاط الذي مارسه العقل البشري طوال هذه القرون، والمذاهب العديدة التي عبر فيها عن أفكاره الميتافيزيقية؛ هل كان ذلك كله شيئا لا معنى له؟ لنفرض أن قضايا الميتافيزيقا ذاتها تفتقر إلى المعنى؛ لأن العقل لا يستطيع تحقيقها أو تفنيدها، فلا تكون لهذا النشاط ذاته - بغض النظر عن مضمونه من القضايا الخاصة - دلالة ما؟ ألا نستطيع أن نستخلص معنى من محاولات الذهن الدائمة خوض هذا الميدان، بغض النظر عما يحرزه من محاولاته هذه من النتائج؟ ألا يبدو لنا أن الفيلسوف الألماني الأكبر «كانت» قد وضع أصبعه على حقيقة بالغة الخطورة، حين قال في السطور الأولى من تصدير الطبعة الأولى لكتابه الرئيسي «نقد العقل الخالص»:
إن للعقل البشري هذا المصير الغريب، وهو أنه في أحد أنواع معرفته (يقصد الميتافيزيقا) تلح عليه أسئلة لا يستطيع تجاهلها؛ لأن طبيعة العقل ذاتها تفرضها، ولكنه أيضا لا يستطيع الإجابة عنها؛ لأنها تتجاوز جميع قواه.
في هذه الأسطر القليلة، أدرك «كانت» السر، وكأني به يقول: لا تستهينوا بالميتافيزيقا مهما تخبطت، ومهما عجزتم عن تحقيق قضاياها إيجابا أو سلبا؛ إذ إن هناك «سرا» في تلك القوة التي تفرض بها الميتافيزيقا ذاتها على نفس الأذهان التي تعلم أنها لن تصل فيها إلى نتيجة، وأنها ستنتهي حتما - كغيرها من الأذهان السابقة عليها - إلى طريق مسدود، وما كان كتابه هذا بأسره إلا محاولة لكشف هذا السر، وللرد - قبل قرن ونصف من الزمان - على محاولة استبعاد الميتافيزيقا من مجال النشاط الذهني ذي المعنى.
ولو شئنا أن نعبر عن سر الميتافيزيقا بلغتنا الحديثة لقلنا إن أهميتها كلها إنما تكون في «نزوعها» ذاته، وفي سعيها الدائم الذي لا يثبطه إخفاقها المستمر؛ فها هنا شيء لا بد أن تكون له دلالته، وما هذه الدلالة إلا سعي العقل إلى ملء حياته بالمعاني، التي لا يستمدها كلها من العلم.
إن العلم - في تقدمه المستمر - يحول أفكارا معينة من مجال التأمل الميتافيزيقي إلى مجال الوقائع، ولكن عملية التحويل هذه تتناول نطاقا محدودا، مهما أحرز العلم من تقدم؛ لأن حركة العلم وسعيه إلى مزيد من المعقولية دليل على أن كل شيء لم يتحول بعد إلى وقائع علمية، أعني أنها دليل على أن للسعي الميتافيزيقي مجالا في تجربة الإنسان، صحيح أننا لو افترضنا أن العلوم كلها قد استقرت، وأن اللغة البشرية قد بلغت حد الدقة الكاملة، وأن حركة المعرفة قد توقفت لأنها لم تعد تجد ما تتجه إليه؛ فعندئذ لن يعود للميتافيزيقا مجال، غير أن هذا افتراض للمستحيل، وبالتالي فسوف تظل الميتافيزيقا تغطي تلك الأرض التي لم يمتد إليها ظل العلم بعد.
Page inconnue