بعد نهاية الفصل الدراسي في منتصف ديسمبر، اتصلت ب «ابتهال» في القاهرة، وقلت: أنا «جاي عايز أزور السيد» ومش عايز أقابل أحد. قالت: لازم نخبر محاميتك «منى ذو الفقار». ومنى ما زالت طوال كل هذه السنوات تحاول، وقادت العمل في القضية منذ الاستئناف. وحينما عرفت منى أصرت أن نتصل بالأمن. أرسلت لي الباحثة الأمريكية «إستير نيلسون» بالإيميل مخطوطة كتابنا عن حياتي، صوت المنفى قبل ركوبي الطائرة في طريقي إلى القاهرة. في المطار اندهشت من نفسي؛ فلم تتسارع دقات قلبي، ولم يلحظني أحد، وكل الأحاسيس التي كنت أتصورها ستحدث لم تحدث، وكأني تركت البلاد أمس. أخطأت شقتي في السادس من أكتوبر. المكان كما هو، حتى نتيجة الحائط ما زالت على تاريخ يوليو سنة خمس وتسعين.
اتصل بي ضابط أمن كبير يخبرني أنهم يعينون لي حراسة تصحبني، انفعلت ورفضت، كيف أذهب إلى «قحافة» في حراسة؟ فكان الرجل حليما، وقال: كيف ستسافر إلى هناك؟ - بالقطار. - كويس، الحراسة الدائمة لنا في كل قطار، سنخبرهم بوجودك بالقطار، وخذ رقم التليفون دا؛ فإذا شعرت بأي شيء غير عادي ولو بسيط، اتصل بهذا الرقم فورا، وده يا دكتور نصر ليس مجال اجتهاد. أي أحساس بخطر اتصل.
وضحكنا. أصررت أن أذهب إلى «قحافة» وحدي، وكانت «ابتهال» في شدة القلق، لكني أصررت. زرت بيت ابن عمي السيد، والتقيت ابنته التي حاولت أن تخفف من ألمي لعدم وداعي له، فقالت: «لا تحزن، أيامه الأخيرة كانت مليئة بالألم، لو شوفته لشعرت براحة أنه توفي ورحم من ألمه.» وأنا أسير في الشارع مع أخي محمد، سمعت صوتها من الداخل تقول: «هو دا نصر ابن أبو زيد يا ولاد؟» فقلت: إزيك يا شوقية. ودخلت سلمت عليها، وأخذتني في حضنها. وذهبت للعزاء في زميلي في الكتاب وخطيب مسجد بالقرية، مصطفى عمران. قضيت ثلاثة أيام مع إخوتي وأسرهم في حضن قريتي.
عدت إلى القاهرة، وكانت «ابتهال» في حالة شديدة القلق، حاولت أن أعرف السبب، فقالت بحدة: «يا نصر إنت كل كلامك خلال الفترة الماضية كان عن الموت، ففجأة تقرر العودة، وتقرر زيارة «قحافة» وحدك، فكأنك قررت الموت، وعايز تموت وحدك في هدوء، في حضن قريتك. عايزني أفكر في إيه؟» اعتذرت على ما سببته لها، وقلت إنني فقط أردت زيارة القرية في هدوء. وذهبنا لقضاء بضعة أيام في الساحل الشمالي، وطلبت «منى ذو الفقار» أن تعد حفلة صغيرة في بيتها، تدعو إليها المحامين الذين اشتركوا في الدفاع عني، فلا يصح ألا أقابلهم، فاتفقنا أن تكون الحفلة في ليلة عودتي إلى لايدن. وأخرج من بيتها إلى المطار. وفي اللقاء تكررت الطلبات من الحضور: لماذا لا تعود يا دكتور نصر؟ حتى إن أحدهم أخذته الحمية وقال: «يا رجل إنت لازم ترجع، حتى ولو كان فيها موت، من أجل القضية والوطن.» وما إن سمعته «ابتهال» حتى كادت أن تفتك به، وردت عليه: «وتمشوا في الجنازة وتترحموا على البطل فقيد الإرهاب والشهيد، وأشيل أنا الهم.» فقلت لأنقذه منها: «أنا لا بطل ولا مفكر مستنير، ولا عايز أموت، أنا إنسان أحب الحياة جدا، ما أنا إلا خوجة، باحث، ولا مستعد أبقى شهيد.» وحضر في نهاية اللقاء بزخمه «أسامة الباز» بجسمه النحيل، وفي سياق الجدال قال: «معندناش حرية في بلدنا تستحمل نصر أبو زيد.» كانت هذه الزيارة زادا وقوة نفسية لي عدت بهما إلى هولندا.
أنشأت جامعة «الإنسانيات» بأوتريخت كرسيا باسم «ابن رشد»، باسمه العربي وليس اسمه اللاتيني «آفريوس»، للدراسات الإسلامية، وأصبحت أول أستاذ لهذا الكرسي، وأصبحت أدرس يوما واحدا بجامعة لايدن. اتصل بي د. «حسن حنفي» - مع اقتراب عيد ميلادي الذي يتقارب مع عيد ميلاد زوجته فريدة - يخبرني بضرورة أن أرجع قبل بلوغي الستين بعشرة أيام لأستلم عملي، وأخرج على المعاش وأنا مستلم عملي؛ حتى لا يسعى أحد إلى حرماني من أن أكون أستاذا متفرغا بجامعة القاهرة. وقال إنهم لم يفعلوها مع أحد من قبل، لكن ممكن أن يعملوها معك، وأن أقدم على إجازة مرة أخرى بعدها بأسبوع. فعدت لمصر في الثامن والعشرين من يوليو ألفين وثلاثة. واتصل بي صديقي د. «السيد البحراوي» يدعوني إلى احتفال القسم بالدكتور «شوقي ضيف»، بمناسبة حصوله على جائزة «مبارك» في الآداب هذا العام، وسألني إن كنت أمانع في الحضور لموقف الدكتور «شوقي» أثناء مشكلة ترقيتي، فتذكرت ما قاله لي د. «إحسان عباس» الباحث الأردني، وزميل دراسة د. «شوقي ضيف»، والذي قال لي: «شوقي ضيف رجل طيب، هو خاف يرقيك وتطلع كافر فيدخل النار، وخاف ألا يرقيك وتكون رجل كويس، فيدخل النار أيضا، فانسحب.» تذكرت ذلك حين دعاني د. «سيد البحراوي»، فوافقت على الحضور.
أخطو في الجامعة لأول مرة منذ ثماني سنوات، سلمت على كل الناس والفراشين الذين أعرفهم، وحينما دخل د. «شوقي ضيف» فاجأني بأن قبل يدي، فبهت من تصرفه، وسعيت إلى يديه أقبلها، لكنه لم يمكني. وفي كلمته ردد اسمي مرات. وفي بيت «زين العابدين فؤاد وجوسلين» الذي سيتولى الطبخ كالعادة في هذه التجمعات الكبيرة، التقينا في احتفال جميل، «أحمد مرسي، محمد صالح، عبد الحميد حواس، أمينة رشيد، رضوى عاشور، سعيد الكفراوي، محمد أبو الغار، سيد البحراوي، وعماد أبو غازي»، والكثير من الأصدقاء، وطوق «زين» عنقي بشال حرير، وهو يغني: يا حرير إسكندرية لبسوك الفلاحين. وذكرنا سعيد الكفراوي بحكايات الشباب، خصوصا مهر عروسته «أحلام» الذي أعطاه والده لي ول «جابر عصفور» الذي لم أره؛ حتى لا يصرفه سعيد كما فعل مرات من قبل؛ لنعطيه لوالد عروسته. وقال سعيد: «لقد حل نصر الغضب، فهل ثمة مبرر للمنفى؟» ودعاني صديقي محمد أبو الغار إلى لقاء في بيته، حضره «صنع الله إبراهيم، منى ذو الفقار، جمال الغيطاني، عادل حمودة، عدلي رزق الله، منى أنيس، وشيرين أبو النجا، فريدة النقاش، حسين عبد الرازق»، وغمروني بحبهم وعطفهم، وقد دخلت الستين. ونشرت مجلة «ألف» في عددها الثالث والعشرين عام ألفين وثلاثة بالجامعة الأمريكية، الترجمة الإنجليزية لدراستي السابقة عن القراءة الأدبية للقرآن ... إشكالياتها قديما وحديثا، والتي نشرت في مجلة «الكرمل» سنة ست وتسعين.
11
منذ مناقشة رسالتي للماجستير، سنة ست وسبعين، وأنا أود دراسة دور الجدل بين المسلمين الأوائل واللاهوتيين المسيحيين في نشأة علم الكلام، بجانب ما تناولته من عوامل سياسية واجتماعية وثقافية في الماجستير، وأيضا لهذه الحالة التي نعيشها، وازدادت بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، والمواجهة العسكرية المباشرة من القوى الغربية في العراق. في هذا السياق، كانت دراستي لعملية الجدل الإسلامي المسيحي التي حدثت في القرن الثاني الهجري، بدايات القرن الثامن الميلادي ، وتأثير القراءة والفهم المسيحيين في نشأة قضايا علم الكلام أو اللاهوت الإسلامي. اعتمدت في هذه الدراسة ما كتبه يوحنا أو يحيى الدمشقي (34ه/675م-108ه/749م) باللغة اليونانية، وقد اعتمدت على الترجمة الإنجليزية عن اليونانية من خلال ترجمة «دانيال ساس»، وعلى ما كتبه «ثيودور أبو قرة» (109ه/750م-184ه/825م) الذي سار على طريق «يوحنا الدمشقي»، وسياق هذا الجدل والتحدي الذي مثلته أسئلة المجادل المسيحي بخطابه اللاهوتي المسيحي في ثمانية قرون ضد الدين الجديد، وكيف أخذ المجادلون المسلمون التحدي بجدية، وكيف أثر هذا في تشكيل قضايا علم الكلام ومسائل اللاهوت الإسلامي الذي لم يكن قد استوى على عوده بعد، وكانت مقولاته «غير نضيجة»، فقرأ المجادل المسيحي النصوص الدينية الإسلامية ليرد عليها، وكذلك فعل المجادل المسلم مع التوراة والإنجيل.
كيف تعامل المجادل المسيحي مع خطر الدين الجديد، ويجب أن نضع في حسباننا أن «يوحنا وثيودور» يكتبون للمسيحي الشرقي لتثبيت اللاهوت المسيحي ضد غواية الدين الجديد من وجهة نظرهم. و«يوحنا» كان أبوه يعمل في بلاط الدولة الأموية كما كان جده يعمل في الدولة البيزنطية، وقد تولى «يوحنا» العمل في بلاط الأمويين بعد والده، ودرس القرآن وتعلم العربية كما يبدو، اعتزل الحياة العامة سنة 89ه/730م، وذهب إلى دير «سابا» قرب القدس، وكتب ضد عملية تحريم عبادة الصور وتبجيل الأيقونات، وأدين في مجمع «هيرا» سنة 113ه/754م، لكن رد إليه الاعتبار في مجمع «نيقية» الثاني سنة 146ه/787م، وعلى نهجه سار «ثيودور أبو قرة» الذي لا نعلم عن حياته الكثير. في هذا المناخ كان الآباء المؤسسون لعلم الكلام من «معبد الجهني» (ت: 80ه/700م)، و«غيلان الدمشقي» (ت: 99ه/718م)، و«الجعد بن درهم» (ت: 120ه/738م).
في كتاب «يوحنا» «نافورة المعرفة» قسم خاص بالبدع، ذكر منها مائة بدعة وواحدة، من ضمنها الإسلام، ولم يكن اللفظ المستخدم للتعبير عن المؤمنين بمحمد بالمسلمين، بل يشار إليهم بأنهم الإسماعيليون؛ نسبة إلى «إسماعيل»، أو السراسيون؛ إشارة إلى أبناء «هاجر» التي طردتها «سارة»؛ أي بتعبير آخر مطاريد «سارة». وقد اعتبر «يوحنا» هذه الدعوة ما هي إلا هرطقة من ضمن الهرطقات المسيحية التي ظهرت من قبل، مثل أتباع آريوس (ت: 336م) الذي قال إن الله واحد وكل ما سواه مخلوق، وأتباع «نسطور» (ت: 450م) الذي نادى بالطبيعة البشرية الكاملة للمسيح. وعرضت لثلاث قضايا محورية تم حولها الجدل، وهي الكلمة الإلهية؛ وعيسى طبقا للقرآن هو كلمة الله المخلوقة، وهذا في نظر اللاهوت المسيحي هرطقة. القضية الثانية هي قضية الصفات الإلهية. والقضية الثالثة الجبر والاختيار. عرضت لجدل القرآن مع النصارى، والإشارات التي لها دلالات تاريخية في القرآن، مثلما جاء في سورة «الروم» عن معركة القدس بين الفرس والروم (615-616م)، واضطهاد «ذو نواس» لنصارى «نجران» في سورة «البروج»، وما ورد في السيرة عن هجرة الحبشة. وتعرضت بعد ذلك لجدل «يوحنا وثيودور» ضد الإسلام. هذا الجدل - حينما أخذه المسلمون مأخذ الجد - كان جدلا منتجا. وأردت أن أقول إن ما نواجهه الآن بما يسمى الخطاب المعادي للإسلام، نعم قد يكون هو خطابا معاديا، وقد نأخذه بانفعال فنتألم، لكن لو اعتبرناه تحديا ونشتبك معه فكريا، فربما يحدث نوعا من الفعالية المثمرة في جسد الفكر الإسلامي المصاب بفقر الدم الفكري؛ ففي التجربة التي سردتها لم يقتل «يوحنا»، ولم تخرج مظاهرات ضد «ثيودور»، بل تم التعامل معهم فكريا.
Page inconnue