النوع الثاني من الدلالة هو الدلالة الاتفاقية التي يتفق عليها البشر، مثل اللغات التي تعتمد على الإشارات والحركات الجسدية، أو العلاقة بين الدال والمدلول في اللغات الطبيعية؛ فكلمة «رجل» في اللغة العربية تشير إلى نفس مدلول كلمة
Man
الإنجليزية. من هنا قال المعتزلة بالحاجة إلى العقول لاستنباط الدلالة القصدية للكلام الإلهي. ولا يستقل الكلام الإلهي استقلالا تاما إلا فيما يتصل بالأحكام الشرعية، وهو الجانب الذي ركز عليه علماء الأصول والفقهاء تركيزا أساسيا.
المعرفة الفلسفية عند «ابن رشد» تقوم على التأمل في آيات العالم باعتبارها دالة على الصانع، مستخدما البرهان الفلسفي والمعرفة الدينية بفهم الآيات اللغوية في القرآن. ولأن خطاب الشرع موجه إلى الناس كافة على اختلاف قدراتهم الذهنية، فمنهم من يصدق بالبرهان، ومن يصدق بالجدل، ومنهم من يصدق بالخطابة. والبرهان أساسي وضروري لمعرفة الدين والشرع، وما ظاهره في الشرع مخالف للبرهان العقلي لا بد أن يقبل التأويل. والتأويل يكون «بإخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير إخلال بعادة لسان العرب في التجوز»؛ فالمعتزلة و«ابن رشد» جعلوا من معرفة العالم بالاستدلال العقلي، أو في عصرنا بمناهج العلم المعاصر وتقنياته، مدخلا أساسيا لفهم كلام الله، ومرجعية اللغة كنظام رمزي يشير إلى العالم من ناحية، وكشفرة للرسالة الإلهية الكلامية من جهة أخرى.
واستجابة لتحدي أوروبا حاول «محمد عبده» التجديد من خلال تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلافات ؛ فأخذ مفهوم التوحيد عند «الأشاعرة»، ومفهوم العدل عند المعتزلة، لكنه تخلى عن الانتقائية بين المعتزلة والأشاعرة، ورتب أصول الإسلام حسب ترتيبها عند المعتزلة، وجعل النظر العقلي هو الأصل الأول للإسلام، ووسيلة الإيمان الصحيح، والأصل الثاني هو تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، والثالث البعد عن التكفير، والرابع الاعتبار بسنن الله في الخلق بمحاولة كشف القوانين الطبيعية والإنسانية في الكون والواقع، والخامس قلب السلطة الدينية. من هنا فمعرفة العالم بقوانينه الطبيعية والإنسانية والاجتماعية أساسية لفهم وتأويل الكلام الإلهي. •••
أصدرت بيانا إلى الأمة نشرته مجلة «روز اليوسف»، في عددها الصادر في السادس عشر من مايو، بعنوان «الحقيقة أو الشهادة»، قلت فيه: لأنني باحث مسلم وهب حياته للدفاع عن الإسلام، وكرس طاقته الذهنية والعملية للكشف عن غايته النبيلة ومعانيه الإنسانية السامية في مناخ يسيء للإسلام، ويعرضه لهجوم الأعداء بسبب بعض الذين يستغلون معانيه الإنسانية النبيلة لتحقيق غايات نفعية دنيوية رخيصة على حساب مصلحة الأمة ومصالح المواطنين مسلمين وغير مسلمين؛ لذلك أدهشني بقدر ما أثار غضبي سعي هؤلاء سعيا حثيثا لقتلي بدلا من مناقشة أفكاري ... والجدال معي بأساليب البرهان العقلي الرشيد ... لقد سمحوا لأنفسهم باتهامي بالردة ... والزيغ عن الإسلام، وطالبوا بالتفريق بيني وبين زوجتي.
ولأن الإسلام الناصع الصفاء لا يسمح لهم بذلك ... فقد حاولوا التخفي وراء عباءة القانون متجاهلين أن دعوى تكفير المسلم بلا برهان ترتد - عند الله سبحانه وتعالى - على المدعي؛ فالله وحده هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ... ولأنني أعتز بإيماني بالله وبرسوله، وإيماني بنبل الإسلام وإنسانية مقاصده، فإنني أعتز كذلك بقيمة اجتهاداتي الفكرية والعلمية ... لذلك لن تنال مني فتاواكم المغرضة، ولا محاولاتكم المستميتة لقتلي، سأظل أناضل عن الإسلام مسلحا بالوعي العلمي والمنهجية الصارمة ولو كان دمي هو الثمن، ولا سبيل إلا الحقيقة أو الشهادة، أو معانقة النور يضيء عقول المسلمين، ويفتح أمامهم سبيل التقدم،
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
غضبت من تصرف «جابر» بإضافته الشهادتين لنص البيان تحت إلحاح وزير التعليم، ونشره بجريدة «الأخبار »، وكأنني أعترف أني قد خرجت من الإسلام لأعود إليه، وشعرت بمرارة منه رغم تأكيده أن الأمر خرج عن يده في نشر هذا البيان في جريدة الأخبار؛ ليفسره البعض تفسيرا خاطئا كما فعلوا مع نائبة البرلمان الأردنية.
تلقيت دعوة من معهد الدراسات المتقدمة في برلين للعمل لمدة عام، من أكتوبر سنة ست وتسعين. ومنذ عامين كنت انضممت إلى مجلس تحرير الموسوعة القرآنية التي تقوم جامعة «لايدن» الهولندية خلال الأعوام القادمة، جامعة الدراسات الإسلامية العريقة التي أصدرت الموسوعة الإسلامية. وتعرفت على بعض الباحثين الهولنديين، منهم رئيس المعهد العالي للدراسات الآسيوية، والسفير الهولندي بالقاهرة ذاته متخصص في الدراسات الإسلامية، وله كتاب عن سوريا. وكان رئيس المعهد الهولندي بالقاهرة «فريد ليمهاوس» متخصصا في الدراسات الإسلامية، وهو مترجم القرآن إلى اللغة الهولندية، ودراساته كلها عن التفسير، فألقى محاضرة عن أبحاثي ودراساتي. وكنا قد تبادلنا الرأي خلال العام الماضي عبر الهاتف.
Page inconnue