ذلك أن حياة بيجر توماس توشك أن تكون هي الحياة التي صورها ريتشارد رايت لنفسه في كتاب «الغلام الأسود»؛ فبيجر توماس فتى قد قارب العشرين من عمره، وهو يعيش مع أمه السوداء البلهاء أو التي توشك أن تكون بلهاء، ومع أخ له أصغر منه سنا وأخت تختلف إلى مدرسة تتعلم فيها الخياطة، والأربعة يعيشون في غرفة حقيرة متهالكة تروعهم فيها الجرذان ترويعا شديدا، وهم يعيشون في هذه الغرفة الحقيرة مختلطين أشنع اختلاط وأبشعه، حتى إن بعضهم ليضطر إلى أن يدير وجهه إلى الحائط أو إلى النافذة ليستطيع بعضهم الآخر أن يلبس ثيابه.
وهم يعيشون من الإحسان الذي يصيبهم من جماعة من هذه الجماعات التي توزع الخير على البائسين، وهذا الفتى قد نشأ فيما يظهر نشأة مختلطة مفرقة تشبه نشأة ريتشارد رايت، ولكنه لم يقاوم ظروف السود التي أحاطت به ولم يقهرها، وإنما عرفها وأحس شرها وضاق بها وخضع لها مع ذلك مع إنكاره لها، فهو يسرق ويكذب ويعتدي، ويرى أن هذا كله شر، ولكنه يرى أن هذا الشر لا بد منه لأنه مظلوم؛ فهو يسرق الظالمين ويخادعهم ويمكر بهم ويعتدي عليهم، لا يرى بذلك بأسا بشرط أن يفلت من العقاب.
وهو من أجل ذلك بارع في الحيلة ماهر في الكيد حتى يبلغ ما يريد، وهو قد جمع إلى هذه الخصال المنكرة خصالا أخرى ليست أقل منها نكرا؛ فهو متبطل متعطل محب للكسل مغرق في الأثرة عنيف بأمه وأخته أبغض العنف وأقبحه.
ونحن نراه في أول القصة مترددا، قد عرض عليه عمل يتيح له أن يكسب رزقه ورزق أسرته، فهو لا يدري أيقبل هذا العمل فيصبح سائقا لرجل من أغنياء البيض أم يرفض هذا العمل فينقطع رزقه ورزق أسرته وتكف الجماعة الخيرة عن معونته بما ترزقه في كل أسبوع.
وهو في أثناء هذا التردد ينازع نفسه وينازع جماعة من رفاقه إلى اقتراف جريمة من هذه الجرائم التي تعودوا أن يقترفوها، جريمة السطو على رجل من التجار المتوسطين حين يخلو الشارع من المارة وينفرد هذا الرجل في متجره إذا كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، وهؤلاء الفتية قد دبروا جريمتهم واستعدوا لها وكادوا يقدمون عليها، ولكنهم مشفقون من أن يؤخذوا، فنفوسهم تقدم لتحجم، ثم تحجم لتقدم، ثم يكون بينهم شيء من الاختلاف فلا تقترف الجريمة، وينظر الفتى فإذا النهار قد تقدم، وإذا المساء قد أقبل، وإذا الموعد قد أزف للقاء هذا الفتى الأبيض الذي يريد أن يتخذه لسيارته سائقا.
وهو يسعى إلى دار هذا الفتى، ولا يكاد الباب يفتح له وتلقاه الخادم وتقدمه إلى سيدها حتى تثور في قلبه عواطف مختلفة أشد الاختلاف؛ فهو مبغض أشد البغض لهذا الغني الأبيض، محتاج أشد الحاجة للعمل عنده، لو أطاع نفسه لهجم على هذا الرجل فاستلبه الحياة استلابا، ولكنه لا يطيع نفسه، وإنما يطيع حاجته إلى العمل وفقره إلى ما يقيم أوده وأود هؤلاء الثلاثة الذين خلفهم وراءه والذين لا يجدون ما ينفقون.
وهو يسعى خلف هذا الرجل الذي يقوده إلى مكتبه، ولكنه يلقى في طريقه صورة تروعه، وتقع من نفسه موقعا غريبا: امرأة جميلة عمياء قد لبست البياض، وهي تسعى متحسسة من طريقها تصاحب الجدار حتى لا تضع رجلها في غير موضعها، ويراها صاحب الدار فيرفق بها أشد الرفق، فهي إذن زوجه وهي سيدة الدار.
ويبلغ الفتى مكتب هذا الرجل الغني ويأخذ مجلسه ويسمع لسيده الجديد، فإذا هو يتحدث إليه حديثا رقيقا عذبا فيه كثير من العطف، وإذا هو يعده وعودا مغرية فسيدفع إليه أجرا حسنا، وسيكون عمله هينا ويسيرا، وسينزله من داره منزلا وثيرا، وسيعينه على أن يتم تعليمه في مدرسة من مدارس المساء، وهو يسمع هذا كله راضيا به ساخطا عليه في وقت واحد؛ راضيا به لأنه محتاج إليه، ساخطا عليه لأنه يأتيه من غني أبيض.
وإنهما لفي ذلك إذ تدخل فتاة في الثامنة عشرة من عمرها رشيقة أنيقة عذبة الروح خفيفة الظل حلوة الحديث، ولا تكاد ترى الفتى حتى تتحدث إليه في دعابة وتسأله أمتصل هو بإحدى النقابات؟ وقد فهمنا أن هذه الفتاة الخفيفة الذكية الخرقاء مفتونة بحرية السود وبحرية الطبقة العاملة وبالمذهب الشيوعي بوجه عام، وقد انصرفت الفتاة بعد أن ضربت موعدا لهذا الغلام على أن يؤديها في السيارة إلى الجامعة حين يقبل الليل.
وانصرف الفتى إلى المطبخ، فلقيته الخادم فأطعمته وسقته وبينت له من أمر سادته أنهم قوم كرام أخيار لا يبطرهم الثراء الضخم، ثم دلته على غرفته فإذا هي غرفة مترفة حقا، ولكن صورة الفتاة الحسناء قد ارتسمت في نفسه وأحاطت بها هالة من البغض المنكر.
Page inconnue