الماتريدية
الماتريدية
الماتريدية
د. عبد المجيد بن محمد الوعلان
1 / 1
المقدمة
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا بحث مختصر عن الماتريدية (^١)، ويشمل تمهيد خمسة فصول:
التمهيد وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: التعريف بالماتريدية ومؤسسها.
المطلب الثاني: نشأتها.
المطلب الثالث: أسباب انتشار الماتريدية.
الفصل الأول: مصدر التلقي ومنهج الاستدلال عند الماتريدية، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: الاعتماد على العقل.
المبحث الثاني: ترك الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد.
المبحث الثالث: القول بالمجاز.
المبحث الرابع: التأويل والتفويض.
المبحث الخامس: القول بالتحسين والتقبيح العقليين.
الفصل الثاني: الإيمان بالله، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: معرفة الله واجبة عندهم بالعقل قبل ورود السمع.
المبحث الثاني: إيمان المقلد.
المبحث الثالث: توحيد الربوبية.
المبحث الرابع: توحيد الألوهية
المبحث الخامس: توحيد الأسماء والصفات.
(^١) مستفاد من: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للأفغاني، والماتريدية دراسة وتقويما لأحمد الحربي، والماتريدية لمحمد الخميس، مع بعض الإضافات اليسيرة.
1 / 2
الفصل الثالث: بقية أركان الإيمان، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الإيمان بالرسل، وفيه مطلبان.
المطلب الأول: بما تثبت النبوة.
المطلب الثاني: المعجزة والكرامة.
المبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر.
المبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: مراتب الإيمان بالقضاء والقدر.
المطلب الثاني: أفعال العباد.
المطلب الثالث: القدرة والاستطاعة.
المطلب الرابع: التكليف بما لا يطاق
الفصل الرابع: مسائل الإيمان، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: معنى الإيمان.
المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان.
المبحث الرابع: العلاقة بين الإيمان والإسلام.
المبحث الخامس: حكم مرتكب الكبيرة.
الفصل الخامس: الموازنة بين الماتريدية والأشاعرة، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: المسائل الخلافية بينهما حقيقة.
المبحث الثاني: المسائل الخلافية بينهما لفظا.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج.
أسأل الله ﷿ أن يجعله خالصا لوجه الكريم.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
عبد المجيد بن محمد الوعلان
awalaan@gmail.com
1 / 3
تمهيد
المطلب الأول: التعريف بالماتريدية:
الماتريدية: فرقة كلامية بدعية، تنسب إلى أبي منصور الماتريدي، قامت على استخدام البراهين والدلائل العقلية والكلامية في محاججة خصومها، من المعتزلة والجهمية وغيرهم، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية (^١).
التعريف بأبي منصور الماتريدي
١ - نسبه وحياته:
هو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود بن محمد الماتريدي (^٢) السمرقندي الحنفي، المتكلم، ولم تذكر المصادر القديمة تاريخ ولادته، وقد ذكر بعض المعاصرين أن تاريخ ولادته تقريبا سنة ٢٣٨ هـ والله أعلم (^٣)، وذكر بعضهم أن ولادته كانت سنة ٢٥٨ هـ.
وأما وفاته فاتفق المترجمون للماتريدي أنه توفي سنة (٣٣٣ هـ) (^٤).
تلقى علوم الفقه الحنفي والكلام على علماء ذلك العصر، ومنهم نصر بن يحيى البلخي المتوفى سنة ٢٦٨ هـ-، وغيره من كبار علماء الأحناف، كأبي نصر العياضي وأبي بكر أحمد الجوزجاني وأبي سليمان الجوزجاني، حتى أصبح من كبار علماء الأحناف وقد تتلمذ عليه بعض المشاهير في علم الكلام.
وقد كان لأبي منصور - وفق عقيدته- مناظرات ومجادلات عديدة مع المعتزلة في الأمور التي خالفهم فيها، وله مؤلفات كثيرة في مختلف الفنون.
(^١) الموسوعة الميسرة: ١/ ٢٩.
(^٢) نسبة إلى "ماتريد "بفتح الميم وسكون الألف وضم التاء الفوقانية المثناة، وكسر الراء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، ودال مهملة، أو "ماتريت "بدل الدال المهملة تاء فوقها نقطتان، والأول أشهر وهي محلة من مدينة سمرقند. انظر: الأنساب: ١٢/ ٢، الفوائد البهية: ١٩٥.
(^٣) انظر: عقيدة الإسلام لأبي الخير: ٢٦٥، مقدمة فتح الله لكتاب التوحيد للماتريدي: ٢، مقدمة إبراهيم عوضين والسيد عوضين لتأويلات أهل السنة للماتريدي: ١٠.
(^٤) انظر: مقدمة فتح الله لكتاب التوحيد: ٣، إمام أهل السنة لعلي المغربي: ١٤، الماتريدية للأفغاني: ١/ ٢١٠ - ٢١٤.
1 / 4
وكان يلقب فيما وراء النهر بإمام السنة وبإمام الهدى - عند الماتريدية- (^١)، وقد وقف في وجه المعتزلة الذين كانوا فيما وراء النهر إلا أنه كان قريبا منهم في النظر إلى العقل، ولم يغل فيه غلوهم، بل اعتبره مصدرا آخر إضافة إلى المصدر الأساسي وهو النقل، مع تقديم النقل على العقل عند الخلاف بينهما، إلا أنه يعتبر معرفة الله واجبة بالعقل قبل ورود السمع، وإن الله يعاقبه على عدم هذه المعرفة (^٢).
قال عبد الله المرائي في كتاب (الفتح المبين) في طبقات الأصوليين: "كان أبو منصور قوي الحجة، فحما في الخصومة، دافع عن عقائد المسلمين- يعني الماتريدية-، ورد شبهات الملحدين" (^٣).
٢ - مصنفاته:
للماتريدي مؤلفات كثيرة منها:
١ - التفسير المعروف باسم (تأويلات أهل السنة) أو (تأويلات القرآن)، وهو معروف ومشهور عند الماتريدية ولا يوازيه عندهم أي تفسير آخر لا قبله ولا بعده.
٢ - كتاب (التوحيد)، ويعد من أهم مؤلفاته الكلامية؛ وذلك لأنه قد قرر فيه نظرياته الكلامية، وبين فيه معتقده في أهم المسائل الاعتقادية.
٣ - رسالة في الإيمان.
٤ - المقالات، ويعد من أقدم كتب المقالات؛ وذلك لتقدم مؤلفه ولكن الكتاب مفقود.
٥ - بيان وهم المعتزلة.
٦ - رد تهذيب الجدل.
٧ - رد وعيد الفساق.
٨ - رد أوائل الأدلة.
٩ - رد الأصول الخمسة لأبي محمد الباهلي.
١٠ - الرد على القرامطة.
١١ - رد الإمامة، وهو رد على بعض الروافض.
١٢ - مأخذ الشرائع.
١٣ - الجدل (^٤).
(^١) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية: ١/ ١٩٧.
(^٢) فرق معاصرة لغالب عواجي: ٣/ ١٢٢٨.
(^٣) ١/ ١٩٣، ١٩٤.
(^٤) انظر: الماتريدية للحربي: ١٠٩ - ١١٤.
1 / 5
٣ - شيوخه وتلاميذه:
أولا: شيوخه:
١ - محمد بن مقاتل الرازي، حدث عن وكيع وطبقته، تكلم فيه، ولم يترك. مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، وله تصانيف منها المدعي والمدعى عليه (^١).
٢ - أبو نصر العياضي أحمد بن العباس بن الحسين بن جبلة السمرقندي، وكان من أهل العلم والجهاد، وليس له رواية ولا حديثا، أسره الكفار فقتلوه صبرا في بلاد الترك في أيام نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أسد بن سامان.
٣ - أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني، وكان من الجامعين بين علم الأصول وعلم الفروع، وكان في أنواع العلوم في الدرجة العالية، وله كتاب (الفرق والتمييز) وكتاب (التوبة) وغيرهما.
٤ - نصير بن يحيى البلخي، وقيل نصر، كان بارعا في الفقه الحنفي والكلام توفي سنة ٢٦٨ هـ (^٢).
ثانيا: تلاميذه:
١ - أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن زيد القاضي الحكيم السمرقندي، أخذ الفقه والكلام عن الماتريدي، ويعد من أشهر تلاميذه. وذكر أبو المعين أنه توفي سنة ٣٣٥ هـ، وقيل سنة ٣٤٢ هـ.
٢ - أبو الحسن علي بن سعيد الرستغفني، نسبة إلى رستغفن، وهي قرية من قرى سمرقند، وقد وصف الرستغفني من ترجم له بأنه من كبار مشايخ سمرقند، ومن أصحاب الماتريدي الكبار، وله ذكر في الفقه والأصول في كتب الحنفية.
٣ - أبو محمد عبد الكريم بن موسى بن عيسى الفقيه البزدوي، تفقه على أبي منصور الماتريدي وسمع وحدث، وقد برع في الفقه خاصة. قال القرشي ذكر في تاريخ نسف أنه مات سنة ٣٩٠ هـ في رمضان.
٤ - أبو أحمد بن أبي نصر أحمد بن العباس العياضي، وهو ابن أبي نصر العياضي شيخ الماتريدي.
٥ - أبو عبد الرحمن بن أبي الليث البخاري، أخذ عن أبي منصور الماتريدي الكلام والفقه، وهو صاحب أبي القاسم الحكيم السمرقندي (^٣).
٦ - أبو اليسر البزدوي (٤٩٣ هـ).
(^١) ميزان الاعتدال: ٤/ ٤٧.
(^٢) الماتريدية للحربي: ١٠٠ - ١٠٣.
(^٣) الماتريدية للحربي: ١٠٤ - ١٠٨.
1 / 6
المطلب الثاني: نشأة الماتريدية
بدأت نشأة الماتريدية في نهاية القرن الثالث على يد أبي منصور الماتريدي، واتسمت بشدة المناظرات مع المعتزلة وغيرهم، فكانت له جولاته ضد المعتزلة وغيرهم، ولكن بمنهج غير منهج الأشعري، وإن التقيا في كثير من النتائج غير أن المصادر التاريخية لا تثبت لهما لقاء أو مراسلات بينهما، أو إطلاع على كتب بعضهما.
ثم بعد ذلك أصبح لأبي منصور تلاميذ عملوا على نشر أفكار شيخهم وإمامهم، ودافعوا عنها، وصنفوا التصانيف متبعين مذهب الإمام أبي حنيفة في الفروع (الأحكام)، فكان ذلك سببا لرواج العقيدة الماتريدية في سمر قند.
ثم بعد انتشار الماتريدية نشط اتباعها بالتأليف، فصنفوا المؤلفات في بيان عقيدة الماتريدية والتأسيس لها.
وكان من أشهر من صنف أبو المعين النسفي (٤٣٨ - ٥٠٨ هـ): وهو ميمون بن محمد بن معتمد النسفي المكحولي، ويعد من أشهر علماء الماتريدية، ومن أكبر من قام بنصرة مذهب الماتريدي، وهو بين الماتريدية كالباقلاني والغزالي بين الأشاعرة، ومن أهم كتبه (تبصرة الأدلة)، ويعد من أهم المراجع في معرفة عقيدة الماتريدية بعد كتاب (التوحيد) للماتريدي، بل هو أوسع مرجع في عقيدة الماتريدية على الإطلاق، وقد اختصره في كتابه (التمهيد)، وله أيضا كتاب (بحر الكلام)، وهو من الكتب المختصرة التي تناول فيها أهم القضايا الكلامية.
ومنهم أيضا نجم الدين عمر النسفي (٤٦٢ - ٥٣٧ هـ)، كان من المكثرين من الشيوخ، وأخذ عنه خلق كثير، وله مؤلفات بلغت المائة، منها: (مجمع العلوم)، (التيسير في تفسير القرآن)، (النجاح في شرح كتاب أخبار الصحاح في شرح البخاري) وكتاب العقائد المشهورة بـ (العقائد النسفية)، والذي يعد من أهم المتون في العقيدة الماتريدية وهو عبارة عن مختصر (لتبصرة الأدلة) لأبي المعين النسفي.
ثم لا يزال الأمر في الاتساع والانتشار وكثرة التأليف للكتب الماتريدية من: المتون، والشروح، والشروح على الشروح، والحواشي على الشروح.
المدارس التي تتبنى الدعوة للماتريدية، وخصوصا في شبه القارة الهندية كالمدرسة الديوبندية، والمدرسة البريلوية وغيرها (^١).
(^١) الموسوعة الميسرة: ١/ ٩٩.
1 / 7
المطلب الثالث: أسباب انتشار الماتريدية
انتشرت الماتريدية في أماكن متعددة لأسباب أهمها ما يلي:
١ - السبب الرئيس، بل أهم الأسباب، اعتناق السلاطين والملوك للمذهب الحنفي، فبسبب ذلك انتشر المذهب الحنفي في شرق الأرض وغربها، وعربها، وعجمها، وفارسها ورومها، وبانتشار الحنفية ونفوذ سلطانهم انتشرت الماتريدية، لأن الماتريدية كانوا يمثلون المذهب الحنفي في الفروع (الأحكام).
ومن المعروف في التاريخ عبر القرون أن أية دولة إذا كانت تميل إلى مذهب ما فإنها تسهل وتوفر لعلمائها مناصب القضاء والإفتاء، والرئاسة والخطابة، والتأليف والتدريس؛ فيجدون أسبابا كثيرة وطرقا ميسورة لبسط سلطانهم، ونفوذ تأثيرهم على الشعوب والأوطان، وتشجعهم الدولة أيضا بإنشاء المدارس والجوامع، وبذلك تنشر أفكارهم ويزداد نشاطهم (^١).
وهكذا انتشرت الماتريدية وعقائدهم في بلاد ما وراء النهر، والترك، والأفغان، والهند، والصين وما والاها.
وقوى هذا السبب لنشر العقيدة الماتريدية في الهند وما جاورها، أن العلماء والمشايخ الذين وردوا الهند في عهود الملوك المسلمين: كان جلهم من علماء ما وراء النهر الذي كان معظم اعتمادهم على كتب المتأخرين من فقهاء الحنفية وكانت عنايتهم بكتب السنة ضعيفة وكانوا متأثرين بعلوم اليونان.
٢ - مدارس الماتريدية، ونشاطهم الدراسي والتدريسي:
لمدارس الماتريدية دور عظيم في نشر عقيدتهم، وفي تاريخ الدولة العثمانية خدمت الحنفية والماتريدية في آن واحد، فكان سلطان الماتريدية يتسع حسب اتساع سلطان الدولة العثمانية، وكان جل القضاة والمفتين وخطباء الجوامع ورؤساء المدارس حنفية الفروع ماتريدية العقيدة.
٣ - نشاط الماتريدية في ميدان التأليف:
للماتريدية نشاط بالغ وسعي متواصل في ميدان التصنيف في علم الكلام، وانتشرت هذه الكتب، وبانتشارها وتدريسها انتشرت العقيدة الماتريدية (^٢).
٤ - أمور أخرى تكون بمجموعها سببا قويا لانتشارهم وتأثر الناس بهم، وهي ما يلي:
أ- تظاهرهم بمظهر أهل السنة بل دعواهم: أنهم والأشعرية يمثلون أهل السنة.
ب- اتهامهم لأهل السنة المحضة وأصحاب الحديث بالتجسيم والتشبيه ونحو ذلك.
ج- انتسابهم إلى السلف ولاسيما إلى الأئمة: "أبي حنيفة "و"الشافعي ".
د- كثرة الحق الذي عندهم بالنسبة للباطل الذي عند غيرهم من أهل البدع.
هـ- ردهم على الفرق الباطلة كالجهمية الأولى والمعتزلة والخوارج والروافض وغيرهم.
و- ضعف بعض أهل السنة المحضة وأهل الحديث في نشر عقيدة السلف وبيان الحق والرد على المخالف (^٣).
(^١) النافع الكبير مقدمة الجامع الصغير للإمام محمد بن الحسن الشيباني ٧، الروضة البهية: ٤.
(^٢) عقيدة الإسلام والإمام الماتريدي: ٤٨٠.
(^٣) الماتريدية للأفغاني: ١/ ٢٩٤ - ٣٠١.
1 / 8
الفصل الأول: مصدر التلقي ومنهج الاستدلال عند الماتريدية،
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: الاعتماد على العقل.
المبحث الثاني: ترك الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد.
المبحث الثالث: القول بالمجاز.
المبحث الرابع: التأويل والتفويض.
المبحث الخامس: القول بالتحسين والتقبيح العقليين.
1 / 9
المبحث الأول: الاعتماد على العقل
قسم الماتريدية أصول الدين إلى "عقليات" و"سمعيات"، وبنوا على ذلك موقفهم من النقل في باب ما يسمونه "العقليات"، فأي نقل خالف عقولهم في "العقليات" إن كان من أخبار الآحاد ردوه، وإن كان من المتواترات حرفوه أو أولوه بشتى التأويلات الفاسدة، وأما ما يتعلق بالمعاد فلا يؤولونه (^١).
فمصدر الماتريدية في التلقي هو العقل يقول أبو منصور الماتريدي: "إن العلم بالله وبأمره عرض لا يدرك إلا بالاستدلال" (^٢). أي: بالمعرفة الاستدلالية القائمة على النظر العقلي.
وقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]: "حقيقة الحجة لكل ذلك إنما يكون في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها السمع لا العقل فلا يكون، وأما الدين فإن سبيل لزومه بالعقل فلا يكون لهم في ذلك على الله حجة" (^٣).
كما جعلت الماتريدية معظم مباحث الإلهيات "عقليات"، فجعلوا "السمع" تابعا للعقل فيها، ومن هذه العقليات تلك الصفات الثمان التي يسمونها صفات عقلية ثبوتية، كما يسمونها (صفات المعاني) أيضا. ويعتمدون في إثباتها على الحجج العقلية التي يرونها قطعية، أما النصوص الشريعة فيذكرونها للاعتضاد لا للاعتماد (^٤).
أما مباحث المعاد والنبوات فجعلوها سمعية، ويعبرون عن السمعيات بالشرعيات أيضا.
وعرفوا الشرعيات بأنها أمور يجزم العقل بإمكانها ثبوتا ونفيا، ولا طريق للعقل إليها، وأما العقليات فهي ما ليس كذلك (^٥).
وقد جعل بعضهم مباحث النبوات من قبيل العقليات (^٦).
(^١) الماتريدية للأفغاني: ١/ ٥٣٧ - ٥٤٠.
(^٢) التوحيد: ٤ - ٦، ٣، ١٢٩، ١٣٧، وانظر: النبراس: ٣١٦ - ٣١٧.
(^٣) انظر: التوحيد ١٨٥: ٢٢٤، التمهيد: ١٩، بحر الكلام: ٥، ٦، ١٤.
(^٤) منهاج السنة: ٧/ ٣٧، وشرح الطحاوية: ٢٣٧.
(^٥) شرح المواقف: ٢/ ٣٠٩.
(^٦) انظر: المسايرة مع شرحها لقاسم بن قطلوبغا: ٢١٦ - ٢٤٢.
1 / 10