نلاحظ هنا أن لوقا وحده قد أثبت صعود يسوع إلى السماء أمام تلاميذه، وذلك في العملين المنسوبين إليه؛ وهما إنجيل لوقا وأعمال الرسل. ولكن حتى هنا فإن رواية الصعود في الإنجيل تتناقض مع رواية الصعود في أعمال الرسل. ففي الإنجيل يخرج يسوع مع تلاميذه إلى بيت عنيا، وهناك: «باركهم، وبينما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد إلى السماء». وتعبير «انفرد عنهم» يتضمن أن يسوع كان وحيدا عندما صعد إلى السماء وأن أحدا من التلاميذ لم يشهد هذا الصعود. أما في رواية الأعمال فإن صعود يسوع يجري في أورشليم وأمام أعين التلاميذ الشاخصة أبصارهم إلى السماء.
إلى أين يقودنا كل ذلك؟ في الحقيقة إلى لا مكان. فقصة الإنجيل تنتهي على الطريقة التي أنهاها بها مرقس أي عند القبر الفارغ. وهذه واقعة يمكن تفسيرها بأن من كان مسئولا عن الدفن السريع والمؤقت، هو الذي أكمل إجراءات الدفن الرسمي ونقل جثمان يسوع إلى قبر دائم قبل أن يعرف التلاميذ بما حصل. وهذا ما سبب حيرة من جاء أولا لتفقد القبر ووجده فارغا. أما فيما يتعلق ببقية القصة من ظهورات يسوع وارتفاعه إلى السماء بهذا الجسد البشري، فليس بمقدورنا ترجيح إحدى الروايات، ولا حتى التوفيق فيما بينها في رواية واحد متسقة.
لقد قام يسوع من بين الأموات حقا وصدقا، ولكن قيامته لم تكن قيامة جسدية وإنما قيامة روحانية. وهذا ما سوف نستكمله في البحث القادم.
لغز قيامة يسوع
في تقصينا لمفهوم قيامة الموتى في تعاليم يسوع، وإشارته إلى قيامته هو نفسه في اليوم الثالث، يجب أن ننبه إلى أن هذا المفهوم لم يكن من مقومات العقيدة التوراتية. فالنظرة التوراتية لحياة ما بعد الموت لم تكن تختلف عما هو سائد في المنظومات الدينية المشرقية والكلاسيكية على حد سواء. فروح الميت تمكث مدة ثلاثة أيام إلى جانب جثمانه في القبر، ثم تهبط منه إلى هوة سفلية تدعى في التوراة شيئول (أو الهاوية وفق الترجمات العربية)، وهي تعادل العالم الأسفل المدعو كور في الديانة الرفادينية، وهاديس في الديانة اليونانية والرومانية. وهناك تستمر في وجود شبحي لا حرارة فيه ولا طعم. وعلى حد وصف سفر إشعيا فإن الموتى «يضطجعون معا لا يقومون. قد خمدوا كفتيلة انطفئوا» (إشعيا، 17: 43). ووصف سفر إرميا: «ينامون نوما أبديا ولا يستيقظون» (إرميا، 39: 51). هذا النوم الذي لا صحوة منه يعبر عنه أبلغ تعبير هذا المقطع من سفر أيوب: «لأن للشجرة رجاء إن قطعت تخلف أيضا ولا تعدم خراعيبها. ولو قدم في الأرض أصلها ومات في التراب جذعها فمن رائحة الماء تفرخ وتنبت فروعا كالغرس. أما الإنسان فيموت ويبلى، يسلم الروح فأين هو؟ يضطجع ولا يقوم» (أيوب، 14: 7-12).
وتوصف الهاوية التوراتية على أنها عالم أسفل يقع تحت عالمنا، وإليه تذهب جميع الأرواح لا فرق في ذلك بين صالح وطالح أو بين خاطئ ونبي. وها هو يعقوب أبو الأسباط يبكي يوسف ابنه الغائب الذي يعتقد أنه قد مات ومضى إلى الهاوية، ويأمل أن يموت ليلحق به : «وقام جميع بنيه وبناته يعزونه فأبى أن يتعزى وقال: إني أنزل إلى ابني نائحا إلى الهاوية» (التكوين، 37: 35). والنبي صموئيل وهو واحد من أعظم أنبياء التوراة يهبط بعد موته إلى الهاوية. وقد عمد الملك شاؤل إلى استحضار روحه من العالم الأسفل لكي يستشيره، وذلك بواسطة وسيطة روحانية. فصعد صموئيل من عالم الموتى على هيئة شيخ مغطى بجبة، فخر شاؤل على وجهه إلى الأرض وسجد. فقال صموئيل لشاؤل: «لماذا أقلقتني بإصعادك إياي؟ فقال شاؤل: قد ضاق بي الأمر جدا» (صموئيل الأول: 28).
وتوصف الهاوية التوراتية بأوصاف تشبه ما ورد في الميثولوجيا المشرقية القديمة. نقرأ في أسطورة هبوط عشتار إلى العالم الأسفل: «إلى الأرض التي لا عودة منها وجهت عشتار أنظارها. إلى دار الظلام ومسكن الإلهة إركالا، إلى الدار التي لا يرجع منها داخل إليها، إلى الدرب الذي لا يقود صاحبه من حيث أتى، إلى المكان الذي لا يرى سكانه نورا، حيث الغبار طعامهم والتراب معاشهم، يسبحون في الظلام فلا بصيص شعاع.»
1
ونقرأ في سفر أيوب: «وكنت كأني لم أكن قط، فأقاد من البطن إلى القبر. أليست أيامي إلى حين؟ فاكفف (يا رب) عني فأرتاح قبل أن أنصرف انصراف من لا يئوب إلى أرض ظلمة وظلال موت، أرض دجية حالكة كالديجور» (أيوب، 10: 19-22). وأيضا: «ما رجائي؟ إنما الهاوية بيتي وفي الظلام مهدت مضجعي. قلت للفساد أنت أبي وللديدان أنت أمي وأختي. إذن أين رجائي؟ رجائي من يراه؟ إنه يهبط إلى أبواب الهاوية» (أيوب، 10: 19-22).
ولم تكن بقية الشيع الدينية في فلسطين بدورها تؤمن بقيامة الموتى، ولم يكن القبر بالنسبة إليها إلا معبرا إلى عالم الأخيلة والظلال السفلى، شأنها في ذلك شأن بقية العبادات السورية. إلا أن التبادل الثقافي الذي حصل مع إيران خلال فترة الحكم الفارسي لبلاد الشام فيما بين عام 539ق.م. وعام 335ق.م. قد أدى إلى انتشار بعض الأفكار الدينية الزردشتية في المنطقة، وأهمها فكرة مخلص البشرية الذي سيظهر في نهاية الأزمان، وفكرة القيامة العامة للموتى وعودة الروح إليها من أجل الحساب الأخير. وقد أثرت الفكرة الأولى على نشوء المفهوم التوراتي المتعلق بالمسيح المنتظر، كما أثرت الفكرة الثانية على نشوء تصورات شعبوية عن بعث الموتى لم يتم تبنيها رسميا ولكنها ترسخت تدريجيا لدى إحدى الفرق اليهودية الرئيسية في القرن الأول الميلادي، وهي فرقة الفريسيين التي آمنت بقيامة الموتى في يوم الرب الأخير. أما فرقة الصدوقيين وهي الفرقة الرئيسية الثانية التي كانت مسيطرة على الهيكل وطقوسه، فقد بقيت ملتزمة التفسير الحرفي للتوراة وأنكرت البعث معتبرة أن الروح تموت مع الجسد وكلاهما لا يقوم. وفيما يتعلق بالفرقة اليهودية الثالثة وهي فرقة الأسينيين الأقل شأنا، فإن الشواهد من مخطوطاتها المكتشفة في موقع قمران، تكشف عن موقف ملتبس وغير واضح من هذه المسألة.
Page inconnue