Albert Camus: Une Très Brève Introduction
ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدا
Genres
بعدما علم برفضه بفترة وجيزة، غير لقاء شديد الأهمية مسار حياته مرة أخرى. ففي الشهر نفسه، التقى كامو بباسكال بيا، وهو صحفي طموح من باريس كان مسئولا عن إنشاء ال «ألجير ريببليكان»، وهي صحيفة يومية يسارية التوجه في الجزائر. وكان بيا وكامو يتشاركان العديد من الأمور. فكلاهما فقد والده في الحرب وتولت أمه تربيته، وكلاهما كان يقدر بودلير. أراد بيا أن يكون كامو محررا مساعدا ومراسلا في صحيفته. وافق كامو رغم تردده. (اعترف كامو في خطاب إلى جرينييه أنه لم يكن لينضم إلى بيا لو لم يرفض في الوظائف الحكومية الفرنسية.)
ورغم تردده الظاهر، تقبل كامو منصبه الجديد سريعا؛ فعمل في كل مكان في الجريدة: في غرفة الطباعة، ومصححا، وفي مجلس الإدارة، وكما اشتهر به مراسلا استقصائيا ومحررا. استمر انهماك كامو في الصحافة لبقية حياته. وقاده هذا إلى تحدي السلطات في العديد من المقالات (ما يزيد على 150 مقالا)، وأخيرا إلى تحرير صحيفة المقاومة الأعلى منزلة في فرنسا. ومع ذلك، شرع كامو عام 1938، عشية الحرب العالمية الثانية، في نشر الفضائح بلا غش أو زيف. فمن تراه كان المستهدف بانتقاداته دوما؟ إنها الإدارة الاستعمارية الفرنسية.
الفصل الثاني
كامو، بين مراسل ومحرر
أصبح كامو صحفيا في فترة الثلاثينيات التي تميزت بالصخب والاضطرابات. كان هتلر في سدة الحكم في ألمانيا. والحرب الأهلية الإسبانية كانت على أشدها منذ عامين، وانتهت عام 1939 بانتصار الديكتاتورية العسكرية بقيادة فرانكو. في هذه الأثناء في فرنسا، استولى ائتلاف من نوع مختلف على السلطة: أدى اجتماع جميع أحزاب اليسار معا إلى أن يترأس يهودي الحكومة لأول مرة، وهو ليون بلوم. بعد توليه السلطة، احتل العمال المصانع في كل أرجاء فرنسا، الأمر الذي دفع الحكومة المنتخبة حديثا إلى إصدار العديد من الإصلاحات الاجتماعية التقدمية التي كان من بينها تقليل عدد أيام العمل وإدخال الإجازات المدفوعة الأجر. ساهمت تلك التغييرات في تحسين نوعية الحياة لمعظم المواطنين الفرنسيين في فرنسا تحسنا هائلا. وقد عرف هذا الحراك، وحكومته، وسياسته باسم الجبهة الشعبية.
في هذا السياق، استمر كامو في التزامه تجاه العدالة الاجتماعية بوصفه صحفيا في جريدة «ألجير ريببليكان» لدى بسكال بيا. كانت صحيفة صغيرة، عدد موظفيها قليل. وكان كامو مسئولا عن الأخبار القضائية، الأمر الذي أكسبه خبرة أحسن استغلالها في رواية «الغريب». لم يكن بيا مجرد رئيس تحرير وصحفي يساري، بل كان أديبا وداعما للجبهة الشعبية. كانت ترويسة «ألجير ريببليكان» متبوعة بالعبارة الفرنسية «جورنال دي ترافيير» (التي تعني جريدة العمال). وبرغم أن مقالاتها الافتتاحية كانت مؤيدة لمناصري الديمقراطية في الحرب الأهلية الإسبانية، كانت الجريدة من مؤيدي استرضاء ألمانيا ومهادنتها في عهد هتلر.
كان من أولى مقالات الرأي التي كتبها كامو مقال افتتاحي كتبه في أكتوبر 1938، وكان متحمسا بشدة للجبهة الشعبية، مع أخذ مصلحة العمال الفرنسيين في الاعتبار، وإن كان هذا لبعض العمال دونا عن الآخرين. كانت فكرة كامو الرئيسية هي أن زيادة الأجور الناتجة عن إضرابات الجبهة الشعبية قد انتفى أثرها بزيادة تكاليف المعيشة. وأنهى مقاله بالدعوة إلى جدولة الأجور تماشيا مع تكاليف المعيشة. رغم ذلك، ذكر دون استنكار حقيقة أن في الجزائر نظاما ثنائيا، وأن أجور عمال الأقدام السوداء ارتفعت من 6 إلى 7,20 فرانكات في الساعة، بينما زادت أجور الجزائريين من 1,40 إلى 2,30 فرانك في الساعة. لم يذكر كامو تلك الأرقام لنقد التفاوت بين العمال الأوربيين والسكان الأصليين، بل للتنديد بحقيقة أن زيادة العمال من الأقدام السوداء كانت زهيدة مقارنة بزيادة الأجر التي تكاد تبلغ الضعف تقريبا لدى نظرائهم من الجزائريين. وقد أسس كامو حجته بناء على الهرمية الاستعمارية: حيث سلم بصحة أن تكون أجور الأقدام السوداء لا تزال 3 أضعاف أجور الجزائريين. ومن ثم، يوضح هذا المقال الافتتاحي في هذه المرحلة المبكرة من حياته موقف كامو السياسي الإشكالي: أراد العدالة للجميع، لكن في نطاق مجتمع استعماري غير عادل.
يتصدر تناقض كامو الوجداني تجاه النظام الاستعماري المشهد من جديد في مقال آخر له بعنوان «من محوناهم من الإنسانية»، يصف فيه زيارته لسفينة المساجين التي نقلت على متنها 609 محتجزين. بطريقة ما، يعد مقاله تنديدا صريحا بظروف المعيشة داخل السفينة: الأماكن الشديدة التكدس، حيث توجد أربع زنزانات صغيرة يأوي كل منها 100 سجين، وتنعدم الإضاءة تقريبا. يكتب كامو مضطربا: «لست شديد الفخر بأن أكون هنا.» ومع ذلك، عندما طلب منه أحد المساجين سيجارة - السلوك الذي فسره كامو بأنه استجداء لإبداء شيء من المشاركة والإنسانية - أصبح في مأزق: القوانين معروفة ولا جدوى من ذكر نصوصها؛ ومن ثم قرر أن يتجاهل طلبه. هذا التألم الذي ارتسم ببطء على وجه كامو تجاه محنة السجين كان كاشفا، فرغم تعاطف كامو مع موقف السجين، تجاهل طلبه. يشعر كامو بالشفقة تجاه المضطهد، لكنه لن يخرق القوانين في النهاية. تلك المعضلة، في أوضح صورها، هي ما واجهه كامو مع الاستعمار.
لم يكف كامو عن التفكير في الرجل الذي طلب منه سيجارة. ولم يتبن في الحقيقة موقفا تجاه مساجين الدولة الفرنسية أولئك؛ حيث رأى أن البشاعة الحقيقية لمحنتهم تكمن في انعدام سبل الانتصاف لديهم. وبخلاف هذا التصريح المحايد، تمنى أن يتمكن أولئك المجرمون من استئناف الأحكام الصادرة في حقهم. مرة أخرى جاءت دعوته الإصلاحية مستترة. لم تكن بغيته مناهضة النظام القضائي، بل إصلاحه، وإضفاء مزيد من الحماية على المحرومين من حقوقهم. أراد أن يجعل النظام الاستعماري أكثر إنسانية.
ثمة مقال قصير آخر بعنوان «اعتقالات مؤسفة» يمثل علامة فارقة في موقف كامو تجاه حقوق الجزائريين. في الرابع عشر من يوليو لعام 1939 - يوم الباستيل في فرنسا - تظاهر آلاف المناضلين المطالبين بالاستقلال والمنتمين إلى حزب الشعب الجزائري الذي يرأسه مصالي الحاج ضد الحكم الاستعماري. اعتقل ثلاثة مناضلين وأربعة من قادة الحزب، وحصلوا بعدها على إطلاق سراح مشروط. كانت حكومة الجبهة الشعبية قد حظرت حزب مصالي الحاج السابق، حزب نجم شمال أفريقيا. مارست السلطات الفرنسية في ذلك الحين مناوشات ضد مناضلي حزبه الجديد، ونالت منهم بالضرب والاعتقال. أثارت تلك المعاملة حفيظة كامو واستياءه بشدة. لم؟ لأنه كما يقول: «من شأن تلك التصرفات ... الإضرار بمكانة فرنسا بقدر الإضرار بمستقبلها.»
Page inconnue