المدخل
المدخل
Maison d'édition
دار التراث
Édition
الأولى
Lieu d'édition
القاهرة
يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا أَحَبَّ مَا أَبْغَضَ اللَّهُ»، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِعْلُ السَّلَفِ ﵃ فِي هَرَبِهِمْ مِنْ الدُّنْيَا خِيفَةً مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهَا، وَمَنْ طَلَبَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَهُوَ مُسْتَشْرِفٌ لِطَلَبِهَا، وَذَلِكَ مَذْمُومٌ يَذْهَبُ بِجَمِيعِ خَاطِرِهِ، وَاشْتِغَالِهِ عَنْ أَمْرِ دِينِهِ، وَدُنْيَاهُ بَلْ كَانُوا يَعُدُّونَ الدُّنْيَا إذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً نَزَلَتْ بِهِمْ.
وَقَدْ مَضَتْ حِكَايَةُ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ فِيمَا جَرَى لَهُ فِي الْعَطَاءِ الَّذِي أَتَاهُ، وَعَلَى هَذَا دَرَجَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ﵃، وَقَدْ حُكِيَ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّات أَنَّ عِيسَى ﵊ مَرَّ فِي سِيَاحَتِهِ وَمَعَهُ الْحَوَارِيُّونَ بِمَوْضِعٍ فِيهِ ذَهَبٌ كَثِيرٌ فَنَظَرَ عِيسَى ﵊ إلَيْهِ، وَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْحَوَارِيِّينَ: اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الْقَاتُولِ، وَمَرَّ فِي سِيَاحَتِهِ فَتَخَلَّفَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ، وَقَالُوا: إلَى أَيْنَ هَذَا الْمَقْصُودُ؟ أَوْ كَمَا قَالُوا.
فَقَسَمُوا ذَلِكَ أَثْلَاثًا فَجَلَسَ اثْنَانِ يَحْرُسَانِ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَا ثَالِثَهُمَا إلَى الْبَلَدِ لِيَأْتِيَ بِالدَّوَابِّ وَالْأَعْدَالِ وَمَا يَأْكُلُونَهُ فَلَمَّا أَنْ مَضَى لِذَلِكَ تَحَدَّثَ الِاثْنَانِ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَقَالَا: لَوْ كَانَ هَذَا الْمَالُ بَيْنَنَا لَكَانَ أَوْلَى، ثُمَّ قَالَا: وَكَيْفَ الْحِيلَةُ؟ فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ إذَا جَاءَ يَقُومَانِ إلَيْهِ، وَيَقْتُلَانِهِ، وَيَبْقَى الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَقَالَ الثَّالِثُ الَّذِي ذَهَبَ إلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ: مِثْلَ قَوْلِهِمَا فَقَالَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ كُلُّهُ لِي لَكَانَ أَوْلَى، ثُمَّ قَالَ: وَكَيْفَ الْحِيلَةُ؟ فَخَطَرَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ سُمًّا فِي الْغِذَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ فَيَأْكُلَانِهِ فَيَمُوتَا فَيَأْخُذُ الْمَالَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ فَفَعَلَ فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلَ عَلَى صَاحِبَيْهِ، وَثَبَا إلَيْهِ فَقَتَلَاهُ، ثُمَّ أَكَلَا مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْغِذَاءِ فَمَاتَا فَبَقِيَ الثَّلَاثَةُ هُنَاكَ مَطْرُوحِينَ فَلَمَّا أَنْ رَجَعَ عِيسَى ﵊ مِنْ سِيَاحَتِهِ، وَمَرَّ بِهِمْ فَوَجَدَهُمْ هُنَاكَ طَرْحَى فَقَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ هَذَا الْقَاتُولُ،.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﵊ «إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ»، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ اتَّصَفَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ يَرْبُو عَلَى الْمُسْتَشْرِفِ فَتَرْتَفِعُ الْبَرَكَةُ
3 / 139