ولم يفرق الغزالي بين الأعمال الاجتماعية والأعمال الفردية، فمن الواضح أن بعض الأعمال يرجع إلى فائدة المرء وحده كالعبادات وبعضها يرجع نفعه إلى جمهور الناس. وما أحسب الغزالي ينهي عن الأعمال الاجتماعية، مهما ساء القصد، إذ لا أقل من أن تكون تمرينا للنفس على عمل الخير. وقد صرح في غير موطن بأن التخلق مفض إلى الخلق، ومتى كان العمل نافعا للناس فالدعوة إليه واجبة، والعامل حر في الاستفادة من حسن نيته إن شاء.
وأما المعاصي فهي شر على كل حال. والغزالي هنا يقدر النتائج، فمن عمل شرا عن جهل فهو آثم، ولا عذر له من جهله لأن الجاهل غير معذور إلا إذا كان قريب عهد بالإسلام، وهذا عدو محدود. وقد علمت أنه يرى أن المعصية شر لأنها ضارة ورأيت كذلك أن فاعل المعصية آثم وإن لم يعلم وجه إثمه، فتحتم أن تكون العبرة هنا بالنتائج لا الأغراض بخلاف الطاعات فقد تنقلب معاصي صرفة إذا خبثت النية، كمن يتعلم العلم ليستميل الناس.
الفصل الخامس
الوسائل والغايات
إذا كانت الغاية شريفة، فلا يجب فيما يرى الغزالي أن تكون الوسيلة دائما شريفة، فالغاية عنده تبرر الوسيلة. وقد أوضح هذا حين تكلم عن المواطن التي يجوز فيها الكذب فقال: «الكلام وسيلة إلى المقصود، فكل مقصود محمود يمكن الوصول إليه بالصدق والكذب جميعا، فالكذب فيه حرام إن أمكن التوصل إليه بالصدق، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح، إن كان تحصيل ذلك القصد مباحا، وواجب إن كان المقصود واجبا. وكما أن عصمة دم المسلم واجبة، فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم قد اختفى من ظالم، فالكذب فيه واجب. ومهما كان لا يتم مقصود الحرب، أو صلاح ذات البين، أو استمالة قلب المجني عليه، إلا بالكذب فالكذب مباح.»
1
وبعد أن بين الحالات الثلاث التي يجوز فيها الكذب كما نص الحديث، وهي الصلح والحرب ومحادثة المرأة، قال: «فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به غرض مقصود صحيح له أو لغيره.»
2
ثم ضرب لذلك الأمثال الآتية: (1)
أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكره. (2)
Page inconnue