Ahwal
أحوال الإمام الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن نصر المقدسي رحمه الله تعالى
قال:
[مولده]:
سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بجماعيل، شاهدته بخط والده أحمد رحمه الله.
[وفاته]:
ووفاته عشية يوم الاثنين، الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول،
سنة سبع وستمائة، بجبل قاسيون ظاهر دمشق، وبهذا الجبل دفن.
[ذكر شيوخه]:
سمع الحديث الكثير بدمشق، ومصر، فسمع بدمشق والده، وأبا المكارم عبد الواحد بن محمد بن المسلم بن هلال الأزدي، وأبا تميم سلمان بن علي بن عبد الرحمن الرحبي ثم الدمشقي، وأبا الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز الأزدي، وأبا نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف البغدادي، وخلقا يطول ذكرهم.
وبمصر الإمام أبا محمد عبد الله بن بري بن عبد الجبار المقدسي اللغوي، وأبا الطاهر إسماعيل بن قاسم الزيات وغيرهما.
Page 209
باب في ذكر اجتهاده ورغبته في أفعال الخير:
كان -رحمه الله تعالى- لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه ودعا به، ولا يسمع ذكر صلاة إلا صلاها، ولا يسمع حديثا إلا عمل به، وقد كان يصلي بالناس في نصف شعبان مئة ركعة، وهو شيخ كبير، وكان أنشط الجماعة، وكان لا يترك قيام الليل من وقت شبوبيته.
1- سمعت والدتي أم أحمد قالت: حدثتني بهية بنت الفقيه طرخان -وهو ابن أبي الحسن الدمشقي- قالت: لما جئتم من بلادكم، جاء والدي ومعه الشيخ أبو عمر، وكان شابا ومعه غيره من أقربائكم، فقال لي أبي: تغسلي ثيابهم، فكرهت ذلك -تعني: ثقل عليها- قالت: فباتوا عندنا، فقام أبو عمر من الليل يصلي ويقرأ، فلما سمعت قراءته وقعت قراءته في قلبي، وأحببتهم حبا شديدا، أو ما هذا معناه.
Page 210
2- وقد سمعت الإمام أبا عبد الله محمد بن طرخان يحدث عن أخته بنحو هذا.
سافرت مرة مع خالي الإمام أبي عمر إلى الغزاة، فبتنا عند قرية فأراد بعضنا أن يسهر ويحرسنا، فقال له الشيخ: نم، وقام هو يصلي.
3- وسمعت أبا العباس أحمد بن يونس بن حسن المقدسي قال: كنت في سفر مع الشيخ أبي عمر، وكان معنا أحمد بن الصابوني، ومعه قماش، فجئنا إلى موضع مخوف، فأردنا السهر، فقال الشيخ أبو عمر: ناموا أنتم، فنمنا وقام يصلي إلى وقت رحيلنا.
4- وسمعت الفقيه أبا محمد عبد الحميد بن محمد بن ماضي المقدسي يقول: جاء الشيخ أبو عمر إلينا، إلى نابلس، فكان يتعشى بعد العشاء الآخرة، ثم نتذاكر في الفقه إلى هوى من الليل، ثم يقوم فيصلي زمانا طويلا.
5- سمعت الشيخ أبا بكر بن أحمد البغدادي يقول: دخلنا إلى عند الشيخ أبي عمر في مرضه الذي مات فيه، وهو يعقد بأصابعه -يعني يسبح- فلما خرجنا من عنده إلى خارج الدار، قالوا: توفي.
Page 211
6- وسمعت أم عبد الله آسية بنت محمد - وهي التي كانت تدور به في مرضه تقول: إنه قلل الأكل قبل موته، حتى عاد كالعود، وقالت: مات وهو عاقد على أصابعه -تعني يسبح-.
7- وسمعتها تحدث عن أم عبد الرحمن -تعني زوجته- قالت: كان يقوم بالليل، فإذا جاءه النوم، عنده قضيب يضرب به على رجله، فيذهب عنه النوم.
وكان -رحمة الله عليه- كثير الصيام في الحضر والسفر، ورأيته في السفر قل ما كان يفطر فيه.
8- وحدثني ولده الإمام عبد الله أنه في آخر عمره سرد الصوم، فكان لا يفطر إلا في عيد أو مرض أو عذر، فلامه أهله في ذلك، فقال: إنما أصوم أغتنم أيامي، لأني إن ضعفت عجزت عن الصوم، وإن مت انقطع عملي.
وكان يحرص على صلاة الجماعة بعد ضعفه، ويخرج إليها في الظلام، فربما صدمه بعض الحيطان من ضعفه وكثرة الظلام.
Page 212
9- ولقد حدثني بعض أهله: أنه خرج ليلة للصلاة في الظلمة، فوقع في الدرجة التي لهم، وبقي مطروحا لا يقدر على القيام، قال: حتى مضيت إلى ابنه وحكيت له وقوعه، فقال ابنه: هذه الساعة كنت أرى نورا ينزل على ناحيته، وجئنا بسراج فشلناه، أو ما هذا معناه.
وكان لا يكاد يسمع بجنازة إلا حضرها، قريبة أو بعيدة، ولا مريضا إلا عاده.
10- ولقد حدثني عبد الغني بن عمر بن فتيان الجدياني المؤذن قال: لما ماتت أمي حملناها إلى الجبل، فجئت إلى الشيخ أبي عمر وهو في يوم حار ، فمضى معي ليصلي عليها -يعني وكان الموضع بعيدا-.
قلت: وكان هذا في آخر عمره وضعفه، وكان -رحمه الله تعالى- لا يكاد يسمع بجهاد إلا خرج فيه، رحمة الله عليه.
ذكر طرف من أوراده:
Page 213
وكان يقرأ في كل ليلة سبعا من القرآن، مرتلا في الصلاة، ويقرأ في النهار سبعا بين الظهر والعصر، وكان إذا صلى الفجر وفرغ من الدعاء والتهليل والتسبيح قرأ آيات الحرز، ويس، والواقعة، و{تبارك الذي بيده الملك} و{قل هو الله أحد}، والمعوذات، وكان قد كتب ذلك في كراسة وهي معلقة في المحراب، ربما قرأ فيها خوفا من النعاس، ثم يقرئ القرآن ويلقن الناس إلى وقت ارتفاع النهار، ثم يقوم فيصلي الضحى صلاة طويلة بتمام ركوع وسجود.
11- وسمعت ولده الإمام أبا محمد عبد الله يقول: كان يسجد سجدتين طويلتين، إحداهما في الليل، والأخرى في النهار، يطيل فيها السجود، ولم نعلم ما كان يقول في سجوده.
ويصلي بعد أذان الظهر قبل سنتها في كل يوم ركعتين، يقرأ في الركعة الأولى أول المؤمنون، وفي الثانية بآخر الفرقان من قوله {تبارك الذي جعل في السماء بروجا}، وكان يصلي بين المغرب والعشاء أربع ركعات، يقرأ فيهن السجدة، وتبارك، ويس، والدخان، ويصلي كل ليلة جمعة بين العشاءين صلاة التسابيح أربع ركعات، ويطيل فيها، وكان يصلي يوم الجمعة قبل صلاة الجمعة ركعتين، كل ركعة يقرأ فيها قل هو الله أحد خمسين مرة.
12- وحكى ولده -بارك الله في عمره- عن أهله أنه كان يصلي في كل يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة.
Page 214
13- ومما حكي عن أهله -أم عبد الرحمن- أنه كان يقرأ كل يوم -{قل هو الله أحد} ألف مرة، ويقول سبحان الله وبحمده ألف مرة، وسبحان الله العظيم ألف مرة، ويقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ألف مرة، ولا إله إلا الله الملك الحق المبين ألف مرة، وكان إذا دخل منزله قرأ {قل هو الله أحد} خمس مرات، ولا يجلس حتى يركع ركعات، إلا أن يكون مريضا فيصلي جالسا .
قلت: وكان يزور المقابر كل جمعة بعد العصر، ولا يكاد يأتي إلا ومعه شيء من الشيح في مئزره، أو شيء من نبات الأرض.
وكان يقرأ كل ليلة بعد عشاء الآخرة آيات الحرز، لا يكاد يتركها، وسمعت بعض أصحابنا يقول وقت قراءة الشيخ آيات الحرز: قد وجدناه بقراءة هذه الآيات خيرا كثيرا، فإن الناس ينهبون ويسرقون ونحن لا نرى إلا خيرا، وذلك زمان قتال السلاطين بعضهم بعضا، وكان النهب كثيرا.
Page 215
وسمعت أنه كان إذا دخل منزله قرأ آية الكرسي، وعوذ بكلمات، وأشار بيده إلى ما حوله من الدور والجبل، يحوطها بذلك، ولا ينام إلا على طهارة، وإن أحدث قبل النوم بجنابة أو غيرها لم ينم حتى يتوضأ، وإذا آوى إلى فراشه قرأ الحمد، وآية الكرسي، والواقعة، وتبارك، وقل يا أيها الكافرون، وربما قرأ يس، ويسبح لله ثلاثا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثا وثلاثين، ويكبره أربعا وثلاثين، ويقول: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، رب قني عذابك يوم تبعث عبادك.
وكان يقول بين صلاة سنة الفجر والفرض أربعين مرة يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت، وكان يستفتح الوضوء ببسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إني أسألك الأمن والبركة، وأعوذ بك من الشؤم والهلكة، رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون.
14- وسمعت أم عبد الله آسية بنت محمد -بنت ابنته- تقول: كان سيدي لا يترك الغسل يوم الجمعة، وكان لا يكاد يخرج إلا ومعه شيء يتصدق به. -تعني يوم الجمعة-.
15- وسمعت ولده الإمام الورع أبا محمد عبد الله بن محمد يقول: كان والدي إذا عبر في الدير يقف على باب بيت فلان وباب بيت فلان -يعني الذين ماتوا من مدة- فيسترجع.
قلت: وإنما يفعل ذلك للحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم :
((ما من مسلم يصاب بمصيبة، فيذكر مصيبته وإن قدم عهدها فيحدث عندها استرجاعا إلا أعطاه الله عز وجل مثل أجر مصيبته يوم أصيب بها)).
Page 216
ذكر ذكائه واشتغاله:
16- سمعت خالي الإمام العالم موفق الدين يقول: لما قدمنا من أرض بيت المقدس كنا نتردد إلى القاضي ابن عصرون مع أخي، نسمع درسه في الخلاف ثم إننا انقطعنا عنه لأنه بعض الناس عيرنا بمضينا إليه وقالوا لنا: أنتم قد صرتم أشاعرة، قال: فلقي القاضي أخي يوما فقال له: لم انقطعت عن الاشتغال؟ فقال له أخي: قالوا إنك أشعري، فقال: ما أنا أشعري، ولكن لو اشتغلت علي سنة ما كان أحد يكون مثلك، أو قال: كنت تصير إماما أو كما قال.
وكنا يوما [في] صحبة خالي في بعض القرى حول دمشق فقال: تعالوا حتى نقرأ الخرقي، فقرأنا فيه فقال: لي اليوم سنة ما قرأته، وكان يحفظه، ويكتبه من حفظه.
وكان قد جمع الله له معرفة الفقه، والفرائض، والنحو، مع الزهد والعمل، وقضاء حوائج الناس.
وكان يقرأ القرآن بقراءة أبي عمرو، وسمعته يقرأ في بعض النوافل بقراءة نافع.
17- وسمعت أبا محمد مسعود بن أبي بكر المقدسي يقول: كنت بقرية -سماها- أصلي بهم، فرأيت شابا حسن الشباب لا يصلي، فقلت لهم: ما لهذا لا يصلي؟ فقالوا: هذا من أمراء التيامنة، قال: فاتفق أنني ذكرت له الصلاة وحرضته عليها، فقال:
Page 217
أنا لا أعرف، فقلت: أنا أعرفك، وأمرته بالشهادة والغسل ففعل، وجاء فصلى ولم يقطعها بعد ذلك، قال: فتعجب أهل القرية من ذلك كثيرا، وقالوا لي: فهذا قد تزوج امرأة أخيه ولم تقض العدة، إنما تركها بعد موت أخيه عشرة أيام، فسألته: فقال: نعم، فجئت إلى الشيخ الموفق فقال: يعتزلها حتى تقضي العدة، قال: ثم إن الشيخ الموفق سأل عني، وسأل الجماعة عن هذه المسألة فكل من يقول: تحتاج إلى العدة، فقال الشيخ أبو عمر: إن كانت المرأة قد أسلمت مثله وقت إسلامه لم تحتج إلى عدة، وحكمها حكم المشركين، فقال الشيخ الموفق: هكذا هو الحكم، لأن هؤلاء القوم ليسوا بمسلمين ولا أهل كتاب، أو ما هذا معناه.
فمضيت إلى القرية فسألته عن المرأة، فقال: إنها أسلمت وقت إسلامه، فقلت: لا حاجة إلى العدة.
18- وسمعت الفقيه أبا عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد يصف الشيخ أبا عمر بالذكاء الوافر، وأنه لو كان اشتغل كثيرا ما كان مثله أحد، أو ما هذا معناه.
وكان يحفظ من الأدعية والحكايات شيئا كثيرا جدا.
ذكر همته واهتمامه بأمور الناس والأهل:
Page 218