Idées et Hommes: L'histoire de la pensée occidentale
أفكار ورجال: قصة الفكر الغربي
Genres
لم يكن أفلاطون إذن ديمقراطيا، وهو لا يثق بذكاء الرجل المتوسط أو يحسن نيته. وهو يترك له نوعا من الحرية الحيوانية في ازدراء - وهو الحرية التي يتمتع بها الحيوان الذي أحسن استئناسه. ولكنا يجب أن نلاحظ أن أفلاطون لا يقول بالحرية بمعنى الكلمة في الإدراك العام - الطبقة العليا؛ فالولاة ينشئون في الواقع على نظام صارم. ولا يكتسب محاربوه وولاته الفضائل اللازمة لمسئولياتهم بالتجربة، بالمحاولة والخطأ، أو بالتعرض الكامل للتنوع المذهل في هذه الدنيا، فهم في وقاية تامة بنفوذ كبارهم - وبنفوذ الملك الفيلسوف أفلاطون - من التعرض لاختيار سلوك دون آخر. وهم يلقنون الرأي في صرامة، ولا يفكرون إلا في الأفكار السامية - وهو لا يكاد البتة أن يكون تفكيرا عند أصحاب العقول الجامدة.
وليس من العسير أن نعلل سحر مدينة أفلاطون الفاضلة الذي كان له أثره في عقول الناس؛ فقد كان أولا صاحب أسلوب جذاب، وكان شاعرا. وفي كتاباته - حتى عند ترجمتها - سحر قل أن يتوافر في التأليف الفلسفي، كما أن عالمه الآخر - أو إن شئت فقل تصوفه - كان دائما يجذب إليه الطبائع الحساسة، وسوف نرى كيف أمكن في يسر لكثير مما كتب أفلاطون أن يشق طريقه إلى البناء العقلي للمسيحية في عهدها المتأخر، ولكن أفلاطون لم يكن مجرد هارب من عالم الحواس؛ فقد أراد كمصلح، وكرجل أخلاقي، أن يدفع هذا العالم المسكين دفعة كبيرة نحو الهدف المثالي، وكثيرا ما انساق - في تقاليدنا الغربية - هذا الباحث عن الكمال إلى أن يحيا حياة ناقصة، يعلم فيها زملاءه الناقصين، ويحثهم بل ويهددهم، لكي يسيروا نحو الكمال الذي لم يستطيعوا أن يبلغوه. وكان على أفلاطون أن يعود إلى الكهف وأن يغمر المسجونين المغلولين بالضياء.
وربما لم يخل الكهف أيضا من الجاذبية لأفلاطون؛ فقد شعر أفلاطون - ككثير من المسيحيين الذين جاءوا بعده - بفتنة هذا العالم - ولا نعني ما فيه من إشباع ساذج لرغبة الطعام والشراب والجنس التي تحسبها العامة مغريات هذه الدنيا، بمقدار ما تعني إشباعا من درجة أرقى للعقل والبدن؛ ذلك الإشباع الذي يخلق عالم الفنان. وقد كان أفلاطون أشعر من أن يتخلى عن هذا العالم بتاتا. غير أن الشعر بالتأكيد لا يمكن إلا أن يهز ثبات «الواحد» و«الخير» و«الكمال».
وأفلاطون هو أقدم الفلاسفة الإغريق الذين وصلت إلينا منهم مؤلفات كاملة؛ إذ ليس لدينا ممن سبقه من الفلاسفة - الذين نسميهم عادة بالفلاسفة السابقين لسقراط - إلا قصاصات، وأكثرها رواية عن الباحثين المتأخرين. وقد كانت هذه المادة المتجزئة موضع درس عميق من أجيال من الباحثين، فعرفتنا على الأقل أن أكثر ضروب التفكير الفلسفي ممثل فيها. ولكن ليس لدينا شيء كامل عن أي فيلسوف قديم ثابت القدم، باحث «في هذه الدنيا» جامد العقل. وربما كان ديمقريطس الذي ذكرنا عنه فيما سبق أنه «مخترع» الذرة ماديا من جميع وجوهه، ومن ثم فهو - كأكثر الماديين - منكر لإرادة الإنسان الحرة، ولكنا في الواقع لا نملك مجموعة متماسكة مما ذهب إليه ديمقريطس.
وربما كان خير من نختار من الفلاسفة القدامى الذين بحثوا في «هذه الدنيا» هم السفسطائيين الذين ترعرعوا في القرن الخامس قبل الميلاد عندما بلغت الثقافة الإغريقية (أو الأثينية على الأصح) قمتها، وربما لم يكن السفسطائيون فلاسفة خلصا، وإنما كانوا هواة من المعلمين والمحاضرين، الذين يعلمون طلاب المعرفة - لقاء ما يتقاضون من أجر - كيف يستخدمون الأداة الجديدة التي أسميناها «التفكير المنطقي». ووقفوا موقفا معينا لا نجهله اليوم، فزعموا أن المشكلات الميتافيزيقية النهائية - مثل المشكلات التي كان يعالجها أفلاطون - لا يمكن حلها، ومن الخير ألا نتعرض لها. إنما ينبغي أن يتركز الذكاء البشري - كما يرون - في مشكلات الطبيعة البشرية والعلاقات الإنسانية؛ ف «الإنسان معيار كل شيء». وكان عالم الحواس عندهم حقيقيا كل الحق، ويمكن - في ظنهم - أن تكون رغبات الناس في هذه الدنيا مرشدا كافيا.
وقد آمن بعضهم - على الأقل كما يروي خصومهم - بأن مقياس الفرد هو ما يستطيع الحصول عليه، أو بعبارة أخرى القوة هي الحق، وأن العدالة هي ما يقرره الأقوى. والأداة الجديدة، أداة الفكر الناقد المنطقي، هي في اعتبارهم آلة مدهشة في أيدي الأشخاص الطموحين الأذكياء، وقد كرسوا أنفسهم لإرشاد هؤلاء الأشخاص. واستطاع تلاميذهم أن يبرروا بالحجة مسيرهم نحو النجاح على حساب العامة المتمسكة - بتقاليدها - بالأخلاق، والتي يضيق أفقها لذلك. وقد صور أرستوفان السفسطائيين، الذين كان يمقتهم، في مسرحية «السحب» وهم يعلمون شابا كيف يتحاشى دفع ما عليه من ديون. وربما كانت للسفسطائيين رسالة سيئة؛ كانوا قوما دنيويين كفلاسفة - وكغيرهم من هؤلاء - على شيء من السذاجة في دنيويتهم، كانوا أساتذة، يحاولون جاهدين ألا يكونوا محترفين، ولكنهم لم يكونوا دائما ناجحين.
وبقي أرسطو حيا في كثير من مؤلفاته. وهو ليس بالكاتب صاحب الأسلوب المصقول. ويعتقد كثير من الباحثين أن ما وصل إلينا ليس ما كتب، وإنما هو مذكرات تلاميذه عن محاضراته، وهو يعد أحيانا على نقيض أفلاطون تماما، وقد تلقى عليه العلم في شبابه. وبالرغم من أن أرسطو لاحظ الفرق بينه وبين أستاذه وقام بتحليله - وبخاصة في موضوع الشيوعية الأرستقراطية في «الجمهورية» وفي موضوع المرأة - إلا أنه ليس في الواقع بالفيلسوف ذي العقل الجامد إذا قورن بأفلاطون الفيلسوف ذي العقل المرن، وربما كان الأجدر - في الحقيقة - أن نضم أرسطو إلى طائفة أولئك الذين يجمعون، أو يؤلفون، أو يتوسطون بين المتطرفين من الجانبين: هذا العالم من ناحية، والعالم الآخر من ناحية أخرى. كان يهتم بكل أمر، وكانت لديه في الواقع غريزة الجامع، التي نسميها البحث عندما نطبقها على الأمور العقلية. وتشمل مؤلفاته شمولا موسوعيا كل مجال المعرفة في عهده، من الميتافيزيقا، إلى النظم السياسية المقارنة، حتى البيولوجيا. ولكنه كان مع ذلك الفيلسوف، الرجل الذي يحاول أن يخضع كل شيء لنظام معين، وأن يجد في الكون أغراضا خلقية يمكن أن توضع في مصاف الأمور التي لها قيمة موضوعية.
والنقطة الرئيسية في مذهبه هي في الواقع تفسير لمذهب أفلاطون في «الأفكار» بعد تعديله بعض شيء وصبغه بصبغة دنيوية. ويعد أرسطو هذه المشكلة الميتافيزيقية الرئيسية مشكلة الشكل والموضوع (أو الصورة والمادة)، وليست المادة بطبيعتها في الواقع بغير حياة، ولكنها بغير هدف، سوى نوع من الإصرار الصامت والجهاد. أما الصورة - وهي في الواقع العقل، أو الروح، وهو يؤدي عمله في هذه الدنيا، فيحول المادة إلى شيء فيه حياة وله هدف - شيء تستطيع الكائنات البشرية أن تدركه، ويمكن أن يكافح في سبيل ما يسميه أفلاطون الفكرة. الصورة خلاقة، فعالة، هادفة، أما المادة فتتنقل أو تتجمع فحسب. ويكاد المرء يحس أن أرسطو يود أن يقول إن الصورة «شيء طيب»، وإن المادة «شيء خبيث». وهو يقول فعلا إن الذكر صورة، وإن الأنثى مادة.
ومن الواضح أن «صورته» تقترب من «أفكار» أفلاطون، وأن «مادته» تقترب من عالم الانطباعات الحسية الذي يبدو أن أفلاطون كثيرا ما يوشك أن يعده غير حقيقي. غير أن أرسطو لا يشن الحرب قط على المادة، فهو يقبلها، وهو كالعالم المغرم بالتصنيف، والذي يفتنه تنوع المادة. وفي الحق أنه عندما يتعرض لتعريف أوضح للحياة الطيبة يدنو تدريجا من مكانة لا تبتعد كثيرا عن أفلاطون، أو عن بوذا، أو أي متصوف طيب. ونلمس ذلك في مذهبه المشهور الذي يعرف ب «البصيرة» أو التأمل الذي لا ينقطع في الله وهو المحرك الذي لا يتحرك. أو السبب النهائي. و«بصيرة» أرسطو هي من غير شك حالة عقلية تنتمي إلى حد كبير إلى العالم الآخر - وهي أيضا حالة بدنية؛ لأن الحكيم لا يزال له جسم حتى في هذا الوجد الصوفي. وتشبه كتب الدراسة هذه الحالة عادة ب «النرفانا» عند بوذا. غير أن أرسطو يعتقد في جلاء أنه لا يستطيع الاقتراب من مرحلة «البصيرة» إلا قلة نادرة من عقلاء الرجال. والجانب الأكبر مما كتب أرسطو عن العلاقات الإنسانية يحث على طريق وسط إغريقي إلى درجة قصوى في كل أمر من الأمور، بما في ذلك الاختيار بين مطالب الجسد ومطالب الروح. وسوف نرى بعد قليل أن وصايا أرسطو الخلقية للرجل المتوسط من أبناء الطبقة العليا في اليونان يمكن تلخيصها أحسن تلخيص في الحكمة العامة التي تقول «بعدم الإفراط في أي شيء»، وهي من الخصائص المميزة للآراء المقبولة عامة - وربما أيضا للسلوك - في ذلك الحين. وهي وصايا إغريقية بمعنى قولنا إلى حد كبير إن حكم بنيامين فرانكلين الخلقية أمريكية.
وقد عاشت آراء أرسطو في السببية حياة فلسفية طويلة - وهي تتفق تقريبا مع آرائه عن الصورة والمادة - لأنها لا تزال حية في التوماسية الجديدة الكاثوليكية، ويجد أرسطو لكل أثر أربعة أسباب: مادي، وكفء، وصوري، ونهائي. السبب «المادي» هو المادة أو أجزاء التكوين - كاللحم والخضر والماء، والمدة اللازمة لسبك الطبخ. والسبب «الكفء» هو «الطباخ» أو «العامل»، والسبب «الصورة» هو «الطبيعة»، أو «الصفة»، أو «الصورة» بالمعنى الأفلاطوني الأرسطي المعروف؛ الذي يمكن أن يقال فيه إن هناك «مثالا» أو فكرة مثالية للطبخة. أما السبب «النهائي» فهو الغرض من الطبخ - أن يكون مغذيا، مشبعا للحواس، منبها للشهية. وإنما هذه أمثلة محسوسة غير كريمة، ربما لا يوافق عليها أرسطو. وهي توحي بمشكلات كثيرة: فهل «الطباخ» مثلا هو السبب «الكفء» الوحيد؟ أين البستاني الذي زرع الخضر؟ وكيف تستطيع أن توقف سلسلة من الأسباب والمسببات؟ وهلم جرا.
Page inconnue