Livre de la conduite du médecin
كتاب أدب الطبيب
Genres
وكذلك حكى عن ارسطراطس، حين دعاه بعض ملوك الروم، لعلاج ابنه، ولم يكن له سواه، فنظر الفتى، وجس عرقه، ورأى ترتيب مجسته ترتيبا مستويا، بانقباض وانبساط. فخمن أن ألمه فى نفسه، لا فى بدنه. فأمر الطبيب بكراس، جلس الملك، والفتى، والطبيب، عليها. وأمر بإعراض كل غلام، وجارية، فى الدار عليهم، ونبض الفتى فى يد الطبيب، وهو لازم لترتيبه، إلى أن مرت بعض الجوارى، فتغيرت المجسة، واضطربت، وفسد الترتيب، وارتعد الفتى، وتغير لونه. فلما فطن الطبيب لذلك، وعلم أنه عاشق لها، أمسك حتى انقضى المجلس، وسأل الطبيب عن تلك الجارية، فاخبر بأنها حظية الملك التى لا يرى الدنيا إلا بها. فانصرف، ووعد الملك بالعود فى غد، فلم يعد كراهة أن يلقى الملك بذلك. فأحضره الملك، وسأله عن تأخره، وقال له: أنت تعلم شغل قلبى بابنى، وهو وارث الملك بعدى، ومحله من نفسى! قال له الطبيب: تأخرت حتى وقفت على دائه. قال: وما هو؟ قال: عاشق لامرأتى! فأطرق الملك، ثم قال للطبيب: فماذا ترى؟ قال: الرأى للملك، لا لى! قال: أرى لك أن تؤثرنى لها! قال له: أيها الملك! وتستحسن هذا؟ فقال: نعم! إن الملك يعوضك مكانها، ويخلفها عليك، ويعطيك أملك! فقال: إن كان الملك يرى هذا، ويستحسنه، فإن الفتى إنما هو عاشق جارية الملك! فأورد على الملك من ذلك أمرا عظيما. فأطرق الملك مفكرا طويلا. قال له الطبيب: أيد الله الملك! إن من النساء عوضا، وهن موجودات فى كل وقت، ووارث الملك، وولده، المجيب، العاقل، اللبيب، ليس فى كل دهر يتهيأ، ويوجد، وليس منه عوض! فركن الملك إلى قوله، وزوج الفتى جاريته، فبرأ. فأمر الملك بحمل الطبيب على مركوب من مراكيبه، وساق إليه عدة من دوابه، ووصله بعشرة أرطال من الذهب، وخلع سنية.
وحكى عيسى بن ماسه الطبيب، أنه أخبره يوحنا بن ماسويه، أن الرشيد رحمه الله قال لجبريل بن بختيشوع، وهو حاج بمكة: يا جبريل! علمت مرتبتك عندى؟ قال: يا سيدى ! وكيف لا أعلم؟! قال له: دعوت لك والله فى الموقف دعاء كثيرا! ثم التفت إلى بنى هاشم فقال: عسى أنكرتم قولى له؟ فقالوا له: يا سيدنا! ذمى! فقال: نعم، ولكن صلاح بدنى، وقوامه، به، وصلاح المسلمين بى، فصلاح المسلمين بصلاحه، وبقائه! فقالوا: صدقت، يا أمير المؤمنين!
قال: وأخبرنى يوحنا بن ماسويه أنه اكتسب من صناعة الطب ألف ألف درهم، وعاش بعد قوله هذا ثلاث سنين أخر. وكان الواثق مشغوفا، ضنينا به. فشرب يوما عنده، فسقاه الساقى شرابا غير صاف، ولا لذيذ، على 〈غير〉 ما جرت به العادة. وهذا من عادة السقاة، إذا قصر فى برهم. فلما شرب القدح الأول، قال: يا أمير المؤمنين! أما المذاقات، فقد عرفتها، وعددتها، ومذاق هذا الشراب خارج عن طبع المذاقات كلها! فوجد أمير المؤمنين على السقاة، وقال: تسقون أطبائى، وفى مجلسى، بمثل هذا الشراب؟! وأمر ليوحنا لهذا السبب، وفى ذلك الوقت، بمائة ألف درهم، ودعا بسمانة الخادم، فقال له: احمل إليه المال الساعة! فلما كان وقت العصر، سأل سمانة، هل حمل مال الطبيب، أم لا؟ فقال: لا بعد. فقال: يحمل إليه مائتا ألف درهم الساعة! فلما صلوا العشاء، سأل عن حمل المال، فقيل له: لم يحمل بعد. فدعا سمانة، وقال له: احمل إليه ثلثمائة ألف درهم! فقال سمانة لخازن بيت المال: احملوا مال يوحنا، وإلا لم يبق فى بيت المال شئ! فحمل إليه من ساعته.
قال: وأخبرنى يوحنا أيضا عن المعتصم أنه قال: سلمويه طبيبى، أكبر عندى من قاضى القضاة، لأن هذا قاض، وهو يحكم فى مالى، والطبيب عندى يحكم فى نفسى، ونفسى أشرف من مالى، وملكى!
ولما مرض سلمويه الطبيب، أمر المعتصم ولده أن يعوده، فعاده، ثم قال: أنا أعلم، وأتيقن، أن لا أعيش بعده! ولم يعش بعده تمام السنة.
وحكى عن اسرائيل بن زكريا الطيفورى أنه وجد على أمير المؤمنين المتوكل، لما احتجم، بغير إذنه، ولا عن أمره. فافتدى غضبه بثلاثة آلاف دينار، وضيعة تغل فى السنة خمسين ألف درهم، وهبها له، وسجل له بها.
Page 127