والرئيس يتمنى أن يهيئ له الناس بسكوتهم أن يختار قواده على أساس الكفاية، ولكنهم لا يفعلون وهو لا يستطيع أن يغضب هاتيك الجهات في مثل هذه الظروف القاسية، بينما هو لا يستطيع كذلك أن يرضيهم جميعا.
ويستعرض الرئيس الموقف الحربي فيجد القائد ماكليلان قد وفق في أعماله في فرجينيا الغربية، ويسمع الثناء عليه من جهات كثيرة حتى لقد سماه بعض الناس نابليون الجديد؛ ولذلك يدعوه الرئيس إليه ويعينه قائدا عاما للقوات في فرجينيا.
وتتجه الأنظار كلها إلى القائد ماكليلان؛ فهو شاب في الرابعة والثلاثين، وفيه كثير من الصفات التي تحمل الناس على محبته، فله حسن السمت وهيبة الطلعة وروح الشباب، وله من صغر جرمه ما يشبه به نابليون، وكذلك له من صفات نابليون بريق عينيه وما يبدو من مضاء عزيمته وتوقد حماسته.
وسرعان ما تعظم شهرته حتى يجري اسمه على الألسن جميعا، وكم له في الحياة من أشباه ممن قامت شهرتهم على أوهام الجماعات، ولكن لعل الأيام تثبت جدارته، فإن الأعين والقلوب متفقة على الإعجاب به.
على أن للشباب نزعاته ونزواته، فهذا القائد يدل بجاهه من أول الأمر، ومرد ذلك إلى أنه بات يعتقد أنه الرجل الذي يستطيع أن ينقذ البلاد مما هي فيه، وشايعه في هذا الزعم كثير من الناس حتى بعض الوزراء، فلقد عظمت ثقة هؤلاء فيه حتى ليميلون إلى جانبه أحيانا إذا هو رأى من الأمر ما لا يراه الناس، والرئيس يتذرع بالصبر ويتغاضى عن ذلك في سبيل ما يعقد من الآمال على ما عسى أن يأتي به ذلك الشاب.
وأخذ القائد الشاب يدرب مائتي ألف رجل على حدود فرجينيا، وقام بذلك العمل على خير ما يرجى، ولكنه أطال التدريب وأطاله حتى تسرب الملل إلى الرأي العام فضاق بما يفعل، فإن الناس كانوا يستعجلون الزحف، وكذلك ضاق الرئيس ذرعا، ولكن ماكليلان يعد الناس أنه يستعد لحركة عظمى سوف تطفئ نار الثورة.
وشاع في الناس اسم قائد آخر هو فريمونت، أول مرشحي الحزب الجمهوري للرياسة عند نشأته، ولقد كانت له جهود محمودة في الجهات الغربية يومئذ، وكان لهذا الرجل قبل ذلك في الناس منزلته وخطره، وله في قلوب الساسة وأولي الرأي نفوذ كبير.
ولن يقل فريمونت عن ماكليلان اعتزازا وترفعا، فهو يحيط نفسه بفرقة من الحرس، ويرقى بعض الجند دون أن يرجع إلى الرئيس الذي هو بحكم منصبه القائد الأعلى لقوات الدولة. وكذلك يتباطأ فريمونت في الرد على البريد القادم من العاصمة، ولن يقف أمره عند ذلك، بل تأتي الأنباء أن فريمونت ينوي إقامة اتحاد ثالث في الجهات الشمالية الغربية!
ولكن الرئيس لا يصدق هذه الشائعات، فهو واثق قبل كل شيء من إخلاص الرجلين لقضية الاتحاد، وإلا فما كان ليضعهما حيث وضع مهما يكن من الأمر.
وأحاط فريمونت نفسه أول الأمر بجو من الكتمان، ولكنه ما لبث أن أذاع قرارا خطيرا اهتز له الرئيس وتبرم منه وضاق به؛ وذلك أن القائد أنذر أهل ولاية مسوري في آخر شهر أغسطس سنة 1861؛ أي بعد قيام الحرب بنحو أربعة أشهر، أنه منفذ قانون الحرب في الولاية؛ ولذلك فهو يحدد منطقة فيها يجعلها محرمة، فيعدم كل من يحمل السلاح فيها ضد حكومة الاتحاد، وكذلك يعلن القائد أن كل من تحدثه نفسه بالثورة من أهل الولاية جميعا يكون جزاؤه مصادرة أملاكه وتحرير عبيده إن كان له عبيد.
Page inconnue