زهر الاداب و ثمر الالباب
زهر الأداب وثمر الألباب - العلمية
ناشر
دار الجيل
محل انتشار
بيروت
مناطق
•تونس
امپراتوریها و عصرها
زیرین و حمادیان (تونس، شرق الجزایر)، ۳۶۱-۵۴۷ / ۹۷۲-۱۱۵۲
الجزء الأول
مقدمة الناشر
احياء التراث العربي، بتحقيقه تحقيقا علميا دقيقا وضبطه وشرح ما غمض من معانيه ومراجعة نصوصه الأصلية؛ مهمة جليلة ومسؤولية بالغة تصدى لها العديد من أكفأ وأخلص رجالات الأدب في عصرنا الحاضر، وفي طليعتهم الدكتور زكي مبارك.
.. إن تحقيق هذه الروائع الأدبية وشرحها رسالة سامية ... وكذلك نشرها وتقديمها إلى القارىء العربي بالصورة اللائقة؛ رسالة يتصدى لحملها الناشر الواعي لأهمية تراثنا العربي المقدّر لقيمته، الحريص على إغناء الثقافة العربية، والباذل لكل جهد مهما عظم في سبيل تقديم روائع القديم في أبهى وأحدث حلة تبويبا وإخراجا وطباعة.
بين روائع التراث العربي يتألق كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» كالدرة النادرة، وقد زاد من قيمته جهد لا يقارن به جهد بذله الأديب العملاق، الدكتور زكي مبارك في تحقيقه وضبطه وشرح نصوصه.
كتاب «جمع كلّ غريبة» . بل خزانة من خزائن الأدب العربي عامرة بأخبار الأدب والأدباء، حافلة بألوان البلاغة والشعر والانشاء وبكل ما يصور بصدق العصر الذي عاش فيه مؤلفه أبو اسحاق ابراهيم بن علي الحصري القيرواني في القرن الخامس الهجري، ويبين بوضوح العادات الاجتماعية التي كانت محمودة في عصره؛ حتى أن دارس الآداب المهتم بذلك العصر ليكتفي بدراسة هذا الكتاب كمرجع رئيسي شامل.
1 / 5
لذلك العصر من حياة الأدب طابع خاص، أظهر سماته إجادة الوصف؛ وصف ما تقع عليه العين من مرئيات أو ما يجري في الخاطر من أفكار، بل ووصف أهواء النفس ونزعاتها الوجدانية، وصفا مفصلا مقصودا، حتى أصبح العصر غنيا إلى درجة مميزة بالتعابير الرائعة الناضجة في معظم أبواب الوصف.. يرافقها تنظيم كامل للأفكار، مما يعوّد القارىء تذوّق الاسلوب البديع ويحبب اليه النثر الجيد وأصوله الفنية.
اننا إذا قسنا أعمال أدباء ذلك العصر بالمقاييس العصرية لانطبق عليها مفهوم النظرية الحديثة «الفن للفن» .. فقد عرفوا اللغة معرفة جيدة حتى وقفوا على أسرارها وطرائق تعبيرها، فجمعوا شتاتها لتصبح طوع أفكارهم وأقلامهم في نتاج منسّق متكامل.
وان دار الجيل التي تعتز بما قدمت من كتب التراث.. كتاب «العمدة» لابن رشيق تحقيق الاستاذ محيي الدين عبد الحميد، ليزيدها اعتزازا أن تقدم تباعا مجموعة أعمال الدكتور زكي مبارك: النثر الفني، الموازنة بين الشعراء، التصوف الاسلامي، المدائح النبوية، الاخلاق عند الغزالي..
ودرة هذه الأعمال هذا الكتاب الذي تقدمه الدار اليوم: زهر الآداب..
إنه دائرة معارف أدبية، لا غنى للقارىء الأديب الباحث عن المعرفة والمتطلع الى التزيد من بحور الفنون الأدبية، عن اقتنائه.
والله الموفق دار الجيل
1 / 6
مقدمة الطبعة الأولى
الحصرى القيروانى، أبو الحسن الحصرى، طرف من أخباره، حياته الأدبية، داليته ودالية شوقى، أبو إسحاق الحصرى: شعره ونثره، طريقته في التأليف، التعريف بزهر الآداب، إغفال المجون، تهذيب كتب المتقدمين، رأى الدكتور طه حسين، تهذيب زهر الآداب، تفصيله وضبطه وشرحه، قيمته الأدبية.
الحصرى، القيراونى
الحصرى- بضم الحاء المهملة، وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة- نسبة إلى الحصر أو بيعها، كما ذكر ابن خلكان- والقيروانى: نسبة إلى مدينة القيروان.
ويعرف تاريخ الآداب رجلين بهذا الاسم، أولهما:
أبو الحسن الحصرى
وأبو الحسن هذا هو: على بن عبد الغنى، الفهرى، المقرىء، الضرير، القيروانى، وقد كان- كما ذكر ابن بسّام في الذخيرة- بحر براعة، ورأس صناعة، وزعيم جماعة.
طرأ على الأندلس- كما قال ابن بسام أيضا- في منتصف المائة الخامسة من الهجرة، بعد خراب وطنه من القيروان، والأدب بأفق الأندلس يومئذ نافق السّوق، معمور الطريق، فتهاداه ملوك الطّوائف تهادى الرياض بالنسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار بالأنس المقيم.
ولكنه، فيما نقل، لم يطمئن هناك، فاحتمل على مضض بين زمانه،
1 / 7
وبعد قطره، ثم اشتملت عليه مدينة طنجة بعد خلع ملوك الطوائف، وتوفى بها سنة ٤٨٨ هجرية.
طرف من أخباره
ذكر أنه لما كان مقيما بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عبّاد صاحب إشبيليّة، واسمها في بلادهم حمص، فأبطأ عنه، وبلغه أن المعتمد لم يحفل به، فقال:
نبّه الرّكب الهجوعا ... ولم الدّهر الفجوعا «١»
حمص الجنّة قالت ... لغلامى: لا رجوعا
رحم الله غلامى ... مات في الجنة جوعا
وهذه الأبيات غاية في خفة الروح.
وحكى أن المعتمد بن عباد بعث إلى أبى العرب الزبيدى خمسمائة دينار، وأمره أن يتجهز بها ويتوجّه إليه. وكان بجزيزة صقلّية وهو من أهلها، وبعث مثلها إلى أبى الحسن الحصرى، وهو بالقيروان، فكتب أبو العرب:
لا تعجبنّ لرأسى كيف شاب أسى ... واعجب لأسود عينى كيف لم يشب
البحر للرّوم لا يجرى السّفين به ... إلا على غرر والبرّ للعرب
وكتب له الحصرى:
أمرتنى بركوب البحر أقطعه ... غيرى، لك الخير، فاخصصه بذا الداء
ما أنت نوح فتنجينى سفينته ... ولا المسيح أنا أمشى على الماء
حياته الأدبية
ذكروا أنه كان عالما بالقراءات وطرقها، وأنه أقرأ الناس القرآن الكريم
1 / 8
بسبتة وغيرها، وأن له قصيدة نظمها في قراءات نافع، عدد أبياتها ٢٠٩، وأن له ديوان شعر، وهو القائل:
أقول له وقد حيّا بكأس ... لها من مسك رقّته ختام:
أمن خدّيك يعصر؟ قال: كلا ... متى عصرت من الورد المدام؟
وأشهر قصائده تلك الدالية التي افتنّ في معارضتها الشعراء «١» ولنذكرها هنا لقيمتها وأثرها في تاريخ الآداب العربية، قال:
يا ليل الصبّ متى غده ... أقيام الساعة موعده
رقد السّمّار وأرّقه ... أسف للبين يردّده
فبكاه النّجم ورقّ له ... مما يرعاه ويرصده
كلف بغزال ذى هيف ... خوف الواشين يشرّده
نصبت عيناي له شركا ... فى النوم فعزّ تصيدّه
وكفى عجبا أنى قنص ... للسّرب سبانى أغيده
صنم للفتنة منتصب ... أهواه ولا أتعبّده
صاح والخمر جنى فمه ... سكران اللحظ معر بده
ينضو من مقلته سيفا ... وكأنّ نعاسا يغمده
فيريق دم العشاق به ... والويل لمن يتقلّده
كلّا لا ذنب لمن قتلت ... عيناه ولم تقتل يده
يا من جحدت عيناه دمى ... وعلى خدّيه تورّده
خدّاك قد اعترفا بدمى ... فعلام جفونك تجحده
إنى لأعيذك من قتلى ... وأظنك لا تتعمّده
1 / 9
بالله هب المشتاق كرى ... فلعلّ خيالك يسعده
ما ضرّك لو دوايت ضنى ... صبّ يدنيك وتبده
لم يبق هواك له رمقا ... فليبك؟؟؟ عليه عوّده
وغدا يقضى أو بعد غد ... هل من نظر يتزوّده؟
يا أهل الشوق لنا شرق ... بالدمع يفيض مورّده
يهوى المشتاق لقاءكم ... وصروف الدهر تبعّده
ما أحلى الوصل وأعذبه ... لولا الأيام تنكده
بالبين وبالهجران فيا ... لفؤادى كيف تجلّده
وممن عارض هذه القصيدة من المتقدمين نجم الدين القمراوى إذ يقول:
قد ملّ مريضك عوّده ... ورثى لأسيرك حسّده
لم يبق جفاك سوى نفس ... زفرات الشوق تصعّده
هاروت بعنعن فن السحر ... إلى عينيك ويسنده
وإذا أغمدت اللحظ فتكت فكيف وأنت تجرّده ... كم سهّل خدّك وجه رضا
والحاجب منك يعقّده ... ما أشرك فيك القلب فلم
فى نار الهجر نحلّده؟
وناصح الدين الأرّجانى إذ يقول:
هل أنت بطولك مسعده ... يا ليل فصبحك موعده
لا كان قصير الليل فتى ... ميعاد منيّته غده
فى صدرى من كلف بكم ... جند للشوق يجنّده
أعليل اللحظ وعلته ... منها المتألّم عوّده
عيناك لسفك دمى جنتا ... فالصّدغ علام تجعّده
ودمى لا يحسن محمله ... فى الناس فلم تتقلّده
لم أنس برامة موقفنا ... والشمل أظلّ تبدّده
1 / 10
رشأ قد أفلت من شركى ... والبين غدا يتصيّده
سرب قد عنّ بذى سلم ... وغدا بفؤادى أغيده
وتطاول يتبعهم نظرا ... صبّ قد طال تبلّده
حرّان القلب متيّمه ... حيران الطرف مسهّده
وأبرع من عارضها من المعاصرين فخر مصر والشرق أمير الشعراء أحمد شوقى (بك) إذ يقول:
مضناك جفاه مرقده ... وبكاه ورحّم عوّده
حيران القلب معذّبه ... مقروح الجفن مسهّده
أودى حرقا إلا رمقا ... يبقيه عليك وتنفده
يستهوى الورق تأوّهه ... ويذيب الصخر تنهّده «١»
ويناجى النجم ويتبعه ... ويقيم الليل ويقعده
ويعلّم كلّ مطوّقة ... شجنا في الدّوج تردّده
كم مدّ لطيفك من شرك ... وتأدّب لا يتصيّده
فعساك بغمض مسعفه ... ولعلّ خيالك مسعده
الحسن حلفت «بيوسفه» ... و«السورة» أنك مفرده
قد ودّ جمالك أو قبسا ... حوراء الخلد وأمرده
وتمنّت كل مقطّعة ... يدها لو تبعث تشهده
جحدت عيناك زكىّ دمى ... أكذلك خدّك يجحده
قد عزّ شهودى إذ رمتا ... فأشرت لخدك أشهده
وهممت بجيدك أشركه ... فأبى واستكبر أصيده
وهززت قوامك أعطفه ... فنبا وتمنّع أملده «٢»
1 / 11
سبب لرضاك أمهّده ... ما بال الخصر يعقّده
بينى في الحب وبينك ما ... لا يقدر واش يفسده
ما بال العاذل يفتح لى ... باب السّلوان وأوصده
ويقول: تكاد تجنّ به ... فأقول: وأو شك أعبده
مولاى وروحى في يده ... قد ضيّعها، سلمت يده!
ناقوس القلب يدقّ له ... وحنايا الأضلع معبده
حسّادى فيه أعذرهم ... وأحقّ بعذرى حسّده
قسما بثنايا لؤلؤها ... قسم الياقوت منضّده
ورضاب يوعد كوثره ... مقتول العشق ومشهده
وبخال كاد يحجّ له ... لو كان يقبّل أسوده
وقوام يروى الغصن له ... نسبا والرمح يفنّده
وبخصر أو هن من جلدى ... وعوادى الهجر تبدّده
ما خنت هواك ولا خطرت ... سلوى بالقلب تبرّده
وإنما ذكرت حياة أبى الحسن الحصرى، وشيئا من أخباره، لأنى رأيت أكثر الناس يحسبونه صاحب زهر الآداب، ولأنى أحب دائما أن أقدم للقارىء ما يمتع عقله ووجدانه من المعارف الأدبية، لأيّة مناسبة؛ ولأن أبا الحسن الحصرى ابن خالة أبى إسحاق الحصرى صاحب زهر الآداب، وفي هذه القرابة ما يدعو للتنويه به في هذا المقام، والظّفر للقارىء على أىّ حال «١» .
1 / 12
أبو إسحاق الحصرى
أما أبو إسحاق الحصرى فهو إبراهيم بن على بن تميم، المتوفّى سنة ٤٥٣ هجرية وقد عنى به كثير من كتّاب التراجم: فتكلم عنه ابن رشيق في الأنموذج، وابن بسّام في الذخيرة، والرشيد بن الزبير في الجنان، وابن خلكان في وفيات الأعيان.
وقد كان شباب القيروان- فيما قالوا- يجتمعون عنده، ويأخذون عنه، وكان لديهم من المكرمين.
شعره ونثره
أورد ابن رشيق من شعره هذين البيتين:
إنى أحبّك حبّا ليس يبلغه ... فهم، ولا ينتهى وصف إلى صفته
أقصى نهاية علمى فيه معرفتى ... بالعجز منّى عن إدراك معرفته
وأورد له ابن بسّام هذين البيتين:
أورد قلبى الردى ... لام عذار بدا
أسود كالكفر فى ... أبيض مثل الهدى
واختار له ياقوت هذه المقطوعة:
يا هل بكيت كما بكت ... ورق الحمائم في الغصون
هتفت سحيرا، والربى ... للقطر رافعة الجفون
فكانها صاغت على ... شجوى شجى تلك اللحون
دكّرتنى عهدا مضى ... للأنس منقطع القرين
فتصرمت أيامها ... وكأنها رجع الجفون
1 / 13
واختار له أيضا:
كتمت هواك حتى عيل صبرى ... وأدنتنى مكاتمتى لرمسى
ولم أقدر على إخفاء حال ... يحول بها الأسى دون التأسى
وحبك مالك لحظى ولفظى ... وإظهارى وإضمارى وحسى
فإن أنطق ففيك جميع نطقى ... وان أسكت ففيك حديث نفسى
ولو نقلت إلينا من شعره طائفة صالحة لاستطعنا أن نعيّن منزلته بين الشعراء.
أما نثره فمستملح، ويغلب فيه السّجع المقبول، الخالص من شوائب الصنعة والتكلف، والسجع في الأصل حلية وزينة، وإنما يعاب عند الغلوّ والإغراق.
وإليكم أنموذجا مما جاء من نثره في مقدمة كتابه، قال:
«ولم أذهب في هذا الاختيار، إلى مطولات الأخبار، كأحاديث صعصعة ابن صوحان، وخالد بن صفوان، ونظائرهما؛ إذ كانت هذه (يريد الفقر الصغيرة) أجمل لفظا، وأسهل حفظا، وهو كتاب يتصرف فيه الناظر من نثره، إلى شعره، ومطبوعه، إلى مصنوعه، ومحاورته، إلى مفاخرته، ومناقلته، إلى مساجلته، وخطابه المبهت، إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة، إلى اختراعاته العريبة، وأوصافه الباهرة، إلى أمثاله السائرة، وجده المعجب، إلى هزله المطرب، وجزله الرائع، إلى رقيقه البارع» .
وهذا كما ترى سجع يجمع بين دقّة الصّنع، ورقّة الطبع، فهو في دقته مطبوع، لا مصنوع.
طريقته في التأليف
الأدب لا موضوع له، كما يقول أستاذنا الجليل الشيخ سيد المرصفى، وكذلك كان يفهمه أبو إسحاق الحصرى، فهو لا يحفل بترتيب المسائل، ولا بتبويب الموضوعات. وإنما يتصرف من الجد إلى الهزل، ومن الأوصاف
1 / 14