يا له من وفاء!
لقد كان أيسر شيء يستطيعه الجامع الأزهر أن ينهض بهذه الأمانة وأن يتخذ منها مناسبتها الحاضرة، وإننا لفي حاجة إلى خلق هذه المناسبات، لو لم تكن حاضرة بغير تدبير.
وكان هذا الواجب أوجب ما يكون على الجامع الأزهر؛ لأنه ظفر بالجهد الأكبر من جهود المصلح العظيم، ولم ينبغ فيه أحد في هذه السنين الخمسين لا يرجع نبوغه إلى غيرة ذلك الرجل وجهاده الذي أعناه في إبان القوة والمضاء.
ومنذ خمسين سنة فارق الرجل دنياه «مستحقا» كل عداوة الأقوياء في سبيل رسالته التي شملت بلاد الشرق الإسلامي من أقصاها إلى أقصاها، وثارت ثورة الأمير - وهو غائب عن مصر - لأن أناسا من حاشيته ساروا في الجنازة ونسوا، كما قال في خطابه إليهم: «إنه عدو الله وعدو النبي وعدو الدين وعدو الأمير وعدو العلماء وعدو المسلمين وعدو أهله، بل وعدو نفسه، فلم هذه المجاملة؟»
وصح من هذا كله أن الأمير عدوه الذي لم ينس عداوته بعد أن فارق الحياة؛ لأنه أراد للأزهر وللمعاهد الدينية وللمحاكم الشرعية نظاما غير النظام الذي ارتضاه لها الأمراء منذ مائة سنة!
تلك عداوة الأمير للمصلح الكبير من أجل رسالته الباقية.
فأين الصداقة الباقية له بعد خمسين سنة؟
في ذمة التاريخ
ومهما يكن من غلط التاريخ، فلنحسب له من الحسنات أنه في هذا المقام أصوب من التلاميذ والمريدين، ومن الأحياء الذين لا يذكرون ولا يشكرون!
ولن يقول الناس: إن ذكرى «محمد عبده» ذهبت منسية لأنه لا يستحق أن يذكر، وإنما يقولون إن الذين ينسونه هم المنسيون في حساب الحق والعرفان بالجميل.
صفحه نامشخص