كل ما يقرره شيء واحد، وهو أن سعر الذهب أغلى من سعر الحديد، ولا لوم عليه في ذلك، وإن قيل له: إن الحديد أنفع وأشيع من معادن الزينة والتجميل.
ونحن قد فضلنا الشعر على القصة في سياق الكلام عليهما من كتاب «في بيتي» ... فكل ما قلناه إذن هو أن الشعر أنفس من القصة، وأن محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه الصفحات من القصة الرفيعة.
فلا يقال لنا جوابا على ذلك: إن القصة لازمة، وإن الشعر لا يغني عن القصة، وإن التطويل والتمهيد ضرورتان من ضرورات الشرح الذي لا حيلة فيه للرواة والقصاصين.
ويستطيع الأديب الأستاذ محمد قطب أن يقرر كما قرر في «الرسالة»: «أن القصة دراسة نفسية لا غنى عنها في فهم سرائر النفوس، وليس الشعر أو النقد أو البيان المنثور بمغن عنها؛ لأنها في ذاتها أحد العناصر التي يحتاج إليها قارئ الحياة.»
يستطيع الأديب هذا، كما يستطيع أن يقول: «إن الحديد معدن نافع لا غنى عنه في تركيب الآلات وبناء البيوت، وليس الذهب أو الفضة أو الجوهر النفيس على اختلافه بمغن عنها؛ لأنه في ذاته أحد المعادن التي نحتاج إليها في الحرب والسلم، وفي الصناعة والتجارة.»
ولكنه بعد كل هذا يذهب إلى السوق ليشتري الحديد، فلا يبذل فيه ثمن الذهب والفضة، ولا ينكر على التاجر أن يزن له درهما من النقد برطل من الحديد المفيد.
وقد قلنا في كتاب «في بيتي»: إن القصاص قد يرجح الشاعر في الملكة الذهنية والقريحة الفنية، ولكننا لا نفضل القصة على الشعر من أجل ذلك كما لا نفضل الجميز على التفاح لأن الأرض التي أثمرت الجميز كانت في حالة من الحالات أخصب وأجود من الأرض التي أثمرت التفاح.
وينفعنا مثل الجماد هنا كما ينفعنا مثل النبات، فإن تاجر الحديد قد يكون أغنى وأقدر من تاجر الذهب، وقد يكون المنجم الذهبي أقل ربحا ومحصولا من المنجم الحديدي في حالة من الحالات، ولكن تقويم المعدنين لا يتوقف على تقويم التاجرين أو المنجمين؛ لأنهما لا يرجعان إلى نوع واحد من التقدير والحساب.
ويقول الأستاذ محمد قطب: «قرأت سارة وقرأت في الديوان ما يقابلها من شعر، وهو شعر جيد رفيع، ولكنني لا أستطيع مع ذلك أن أقول: إنني استغنيت به عن قراءة سارة، أو إن سارة ليس فيها جديد مفيد من الدراسات النفسية العميقة ...»
فالذي نقوله: إن الأستاذ غير مطالب بأن يقول هذا في باب الموازنة بين الروايات والقصائد؛ لأن موافقته على رأينا في الشعر والقصة لا تقتضيه أن يمحو القصة، وأن يثبت الشعر وحده، وإنما يبقيهما ويبقي معهما الترجيح بينهما، ويقدم الشعر على القصة في هذا الترجيح.
صفحه نامشخص