الفصل السابع والثلاثون
الشجاعة الأدبية
كتبت مقالا أحيي ذلك الروح الإنساني الكبير الذي رحل عن الدنيا برحيل رومان رولان.
وقد كان للأدباء على ذلك المقال تعقيب يشبه الإجماع، ويتفق كله على تحية ذلك الكاتب العظيم إلا رسالة واحدة ينزع صاحبها منزعا يخالف ما سمعت وما تلقيت من الآراء في رومان رولان، وفيما كتبت عنه، وخلاصتها أن الأوروبيين في حاجة إلى أمثال رومان رولان؛ لقدرتهم على العدوان وإيغالهم فيه، ولكننا نحن الشرقيين أحوج ما نكون إلى التربية الحربية التي نعالج بها الضعف المقيم، ونحمي بها الحوزة المهددة، وإننا ينبغي أن نتعلم كل ما يحرضنا على منازلة الأعداء ومقاومة المعتدين، ونترك تلك الرسالة التي يبشر بها رومان رولان وأمثاله، حتى يحين موعد الحاجة إليها بيننا نحن الشرقيين. •••
رأي فيه شبهة من الصواب، ولكنها شبهة من الصواب، وليست بالصواب في اللباب.
لأن الأديب المعترض قد التبس عليه الأمر بين مذهب رومان رولان، ومذهب أولئك القعديين الذين عرفوا في أوروبا باسم «الضميريين» من قولهم: «إن ضميري يأبى علي حمل السلاح ولو دفاعا عن الأوطان.»
فليس رومان رولان من هؤلاء ولا هو ممن ينكرون الحرب حين يفرضها الحق والواجب على المدافعين، ولكنه ينكر البغضاء في سبيل الزهو والطمع، ويرى أن يكون السلاح آخر ما يعمد إليه الإنسان لعلاج أزمات السياسة، بعد أن تنفد وسائل الحسنى وحيل السلام.
وما دام في الدنيا حرب بغي، فالحرب الشريفة مفروضة على الناس لجزاء ذلك البغي، ومنعه أن يبلغ مقصده من الغلبة على الآمنين والموادعين، فمن ينكر حرب الإغارة والسطوة لا ينكر حرب المقاومة والدفاع .
والفرق عظيم بين من يقول بمنع الحروب وتغليب وسائل السلام، وبين من يرى الحرب الباغية وينكص عن دفعها؛ لأنه لا يميز بين الاعتداء ورد الاعتداء.
بل الفرق عظيم بين أولئك «الضميريين» وبين من يحاربون العنف بالحسنى، لعلهم يخجلون صاحبه، وينبهون فيه تبكيت الضمير، ومن هؤلاء غاندي وتولستوي، وطائفة من المصلحين الشرقيين والأوروبيين هنا وهناك، وإنهم ليقولون بالحسنى، ولكنهم لا يتخذون الحسنى عدة في الحروب حين لا مناص من الحروب.
صفحه نامشخص