أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب، وذكر الخلاف فأعلم أن الناس قد اختلفوا في النظر على قولين فمنهم من قال بوجوبه، ومنهم من قال: إنه ليس بواجب، واختلف الذين قالوا بوجوبه فمنهم من قال: إنه واجب؛ لأنه طريق إلى معرفة الله تعالى، ومنهم من قال وجب؛ لأنه شرط اعتيادي تحصل المعرفة عنده بمجرى العاده كما في الحفظ عند الدرس، ثم اختلفوا أيضا في طريقة وجوبه، فذهبت الجبرية إلى أن طريق وجوبه السمع، وعند العدلية أن طريق وجوبه العقل والسمع جميعا.
أما الذين قالوا إنه ليس بواجب، فاختلفوا على ثلاثة أقوال، فقال بعضهم: لا يجب لأن التقليد جائز وهم القاسم إبراهيم (عليه السلام)، وأبو إسحاق بن عياش، وأبو القاسم البلخي، فإنهم [44ب] ذهبوا إلى أن مقلد المحق ناج، ومنهم من قال: إن المعرفة علم ضروري يحصل من جهة الله تعالى، فلا يحتاج إلى النظر، وهو أبو علي الأسراري، ومن قال بقوله الحشوية، وأهل الحديث.
ومنهم من قال: إن النظر يؤدي إلى الشك والحيرة، ومنهم من قال: إن الإسلام ورد بالسيف والنظر بدعة، والأدلة متكائنة، فلا يجب حسن النظر.
وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، وفساد ماذهب إليه المخالف، فالذي يدل على ذلك العقل والسمع.
أما العقل فوجهان:
أحدهما: الاستدلال على وجوبه بما يخصه.
والثاني: الاستدلال على وجوبه بما يرجع إلى غيره.
أما الوجه الأول: وهو الاستدلال على وجوبه بما يخصه فهو أن يقال: إن المكلف متى حصلت له شرائط التكليف فلا بد أن يخالف سبب من أسباب الخوف، وهو لا يوصل زوال الخوف إلا بالنظر فثبت بذلك وجوبه، وهذه الدلالة مبنية على ثلاثة أصول:
أحدها: أن المكلف متى اجتمعت له شرائط التكليف، فلابد أن يخاف من يرى النظر سبب من الأسباب الموجبة للخوف.
وثانيها: أنه لا يوصل زوال الخوف إلا بالنظر.
والثالث: أنه ثبت بذلك وجوبه.
صفحه ۷۹