وساطة بین المتنبی وخصومه
الوساطة بين المتنبي وخصومه
ویرایشگر
محمد أبو الفضل إبراهيم، علي محمد البجاوي
ناشر
مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
التفاضل - أطال الله بقاءك - داعيةُ التنافس؛ والتنافسُ سبب التحاسد؛ وأهل النقص رجلان: رجل أتاه التقصيرُ من قبَله، وقعَد به عن الكمال اختيارُه، فهو يساهم الفضلاءَ بطبعه، ويحنو علي الفضل بقدر سهمهِ؛ وآخرُ رأى النقص ممتزجًا بخِلقَته، ومؤثّلًا في تركيب فطرته، فاستشْعر اليأس من زواله، وقصُرتْ به الهمةُ عن انتقاله؛ فلجأ الى حسَد الأفاضل، واستغاث بانتقاص الأماثل؛ يرى أن أبلغَ الأمور في جبر نقيصته، وستْر ما كشفه العجزُ عن عورته اجتذابُهم الى مُشاركته، ووسمُهم بمثل سِمَتِه، وقد قيل:
وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فضيلةٍ ... طُوِيَت أتاحَ لها لِسانَ حسودِ
صدق والله وأحسن! كم من فضيلة لو لم تستَتِرْها المحاسد لم تبرحْ في الصدور كامنة، ومنقبةٍ لو لم تُزْعِجْها المنافسة لبقيت على حالها ساكنة! لكنها برزتْ فتناولتْها ألسنُ الحسَّد تجلوها، وهي تظن أنها تمحوها، وتشهَرُها وهي تحاول
1 / 1
أن تستُرَها؛ حتى عثَر بها مَن يعرف حقها، واهتدى إليها مَنْ هو أولى بها، فظهرت على لسانه في أحسن معرِض، واكتست من فضله أزينَ ملبس؛ فعادت بعد الخمول نابهة، وبعد الذبول ناضرة، وتمكنت من برِّ والدها فنوّهت بذكره، وقدَرت على قضاء حقِّ صاحبها فرفعت من قَدْره (وعَسى أن تكْرَهوا شيْئًا وهُوَ خيرٌ لكُم) .
ولم تزَل العلومُ - أيّدك الله - لأهلها أنسابًا تتناصرُ بها، والآدابُ لأبنائها أرحامًا تتواصل عليها، وأدنى الشِّرك في نسب جوار، وأول حقوق الجار الامتعاضُ له، والمحاماةُ دونه، وما مَنْ حفظ دمه أن يُسفك، بأولى ممّن رَعى حريمه أن يهتك ولا حرمةَ أولى بالعناية، وأحقُّ بالحماية، وأجدر أن يبذل الكريمُ دونها عِرضَه، ويمتهن في إعزازها مالَه ونفسَه من حُرمة العلم الذي هو روْنَق وجْهه، ووقاية قدْره، ومَنار اسمه، ومَطيّة ذِكره.
وبحَسَب عِظَم مزيته وعلوّ مرتبته يعظم حقّ التشارك فيه، وكما تجب حياطتُه، تجب حياطة المتّصل به وبسببه، وما عقوق الوالد البَرّ، وقطيعةُ الأخ المشفِق، بأشنعَ ذِكرًا، ولا أقبح وسْمًا من عقوق من ناسبَك الى أكرم آبائك، وشاركك في أفخر أنسابك، وقاسمك في أزين أوصافك، ومتَّى إليك بما هو حظّك من الشرف، وذريعتُك الى الفخر.
وكما ليس من شرْط صِلَة رحمك أن تحيف لها على الحق، أو تميلَ في نصرها عن القصد، فكذلك ليس من حُكم مراعاة الأدب أن تعدِل لأجله عن الإنصاف، أو تخرج في بابه الى الإسراف، بل تتصرّف على حكم العدل كيف صرَفك، وتقف على رسْمه كيف وقفَك، فتنتَصِف تارة وتعتذر أخرى، وتجعل الإقرار بالحق عليك
1 / 2
شاهدًا لك إذا أنكرت، وتقيم الاستسلام للحجة - إذا قامت - محتجًا عنك إذا خالَفْت، فإنه لا حال أشدّ استعطافًا للقلوب المنحرفة، وأكثر استمالةً للنفوس المشمئزة، من توقّفك عند الشُبهة إذا عرَضت، واسترسالِك للحجة إذا قهرت، والحكمِ على نفسك إذا تحققت الدعوى عليها، وتنبيه خصمك على مكامن حيَلك إذا ذهب عنها؛ ومت عُرفْت بذلك صار قولُك برهانًا مسلَّمًا، ورأيك دليلًا قاطعًا، واتهم خصمُك ما علمه وتيقنه، وشكّ فيما حفظه وأتقنه، وارتاب بشهوده وإن عدّلتهم المحبة، وجَبُن عن إظهار حُججه وإن لم تكن فيها غميزة، وتحامتك الخواطر فلم تقدم عليك إلا بعد الثقة، وهابتك الألسُن فلم تعرض لك إلا في الفَرْط والنُدرة.
وما زلتُ أرى أهل الأدب - منذ ألحقتني الرغبةُ بجملتهم، ووصلَت العنايةُ بيني وبينهم - في أبي الطيب أحمد بنِ الحسين المتنبي فئتين: من مُطنب في تقريظه، منقطع إليه بجملته، منحطّ في هواه بلسانه وقلبه، يلتقي مناقِبَه إذا ذُكِرت بالتعظيم، ويُشيع محاسنه إذا حُكيت بالتفخيم، ويُعجَب ويعيد ويكرر، ويميل على من عابه بالزِّراية والتقصير، ويتناول من ينقصُه بالاستحقار والتجهيل؛ فإن عثَر على بيت مختلّ النظام، أو نِبَه على لفظ ناقص عن التمام التزم من نُصرة خطئه، وتحسين زلَله ما يُزيله عن موقف المعتذر، ويتجاوز به مقام المنتصر. وعائبٍ يروم إزالتَه عن رُتبته، فلم يسلّم له فضله، ويحاول حطّه عن منزلةٍ بوّأه إياها أدبُه؛ فهو يجتهدُ في إخفاء فضائله، وإظهار مَعايبه، وتتبع سقطاتِه، وإذاعة غَفلاته.
وكلا الفريقين إما ظالمٌ له أو للأدب فيه؛ وكما أن الانتصار جانبٌ من العدْل لا يسدّه الاعتذار؛ فكذلك الاعتذار جانب هو أولى به من الانتصار، ومَن لم يفرِّق
1 / 3
بينهما وقفت به المَلامةُ بين تفريط المقصّر، وإسراف المفرِط؛ وقد جعل الله لكل شيء قدْرًا، وأقام بين كل حديث فصْلًا؛ وليس يطالَب البَشر بما ليس في طبع البشر، ولا يُلتَمس عند الآدميّ إلا ما كان من طبيعة ولدِ آدم؛ وإذا كانت الخلقة مبنيةً على السهو وممزوجة بالنسيان؛ فاستسقاط من عزّ حالُه حيْف، والتحامُل على من وُجِّه إليه ظلم.
وللفضل آثارٌ ظاهرة، وللتقدم شواهدُ صادقة، فمتى وجِدتْ تلك الآثار، وشوهدت هذه الشواهد فصاحبُها فاضل متقدم؛ فإن عُثِر له من بعدُ على زلّة، ووحدت له بعَقِب الإحسان هفْوة انتُحِل له عذرٌ صادق، أو رُخصة سائِغة؛ فإن أعوز قيل: زلّة عالم، وقلّ من خَلا منها، وأيُّ الرجال المهذب! ولولا هذه الحكومة لبطل التفضيل، ولزال الجَرْح ولم يكن لقولنا فاضل معنى يوجد أبدًا، ولم نسِمْ به إذا أردنا حقيقة أحدًا، وأي عالم سمعت به ولم يزلّ ويغلط! أو شاعر انتهى إليك ذكره لم يهْفُ ولم يسقط!
أغاليط الشعراء
ودونك هذه الدواوين الجاهلية والإسلامية فانظر هل تجد فيها قصيدة تسلم من بيت أو أكثر لا يمكن لعائب القدْح فيه؛ إما في لفظه ونظمه، أو ترتيبه وتقسيمه، أو معناه، أو إعرابه؟ ولولا أن أهلَ الجاهلية جُدّوا بالتقدم، واعتقد الناس فيهم أنهم القدوة، والأعلام والحجة، لوجدتَ كثيرًا من أشعارهم معيبة مسترذَلة، ومردودة منفية، لكن هذا الظنّ الجميل والاعتقاد الحسن ستر عليهم، ونفى الظِّنة عنهم، فذهبت الخواطر في الذبّ عنهم كلّ مذهب، وقامت في الاحتجاج لهم كل مقام،
1 / 4
وما أراك - أدام الله توفيقك - إذا سمعتَ قول امرئ القيس:
أيا راكبًا بلّغَ إخواننا ... مَن كان من كِندَة أو وائل
فنصب بلغ، وقوله:
فاليوْم أشْرَبْ غيرَ مُستَحقِبٍ ... إثْمًا من الله ولا واغِلِ
فسكن أشرب، وقوله:
لَها مَتْنَتان خَظاتا كمًا ... أكبّ على ساعدَيْه النّمِرْ
فأسقط النون من خَظاتَا لغير إضافة ظاهرة.
وقول لبيد:
تَرّاكَ أمكنة إذا لم أرْضَها ... أو يرتَبطْ بعض النّفوسِ حِمامُها
فسكن يرتبطْ ولا عمل فيها للَم. وقول طرفة:
قد رُفِع الفَخّ فماذا تحذَري
فحذف النون. وقول الأسدي:
1 / 5
كنا نرقّعها وقد مُزِّقت ... واتسع الخرْق على الراقع
فسكن نرقّعها. وقال الآخر:
تأبى قُضاعة أن تعْرِفْ لكمْ نسَبًا ... وابْنا نِزار وأنتُم بيضَةُ البَلَدِ
فسكن تعرف، وقول الآخر:
يا عَجَبًا والدهر جمٌ عجبُهْ ... من عَنْزيٍّ سبّني لم أضرِبُهْ
فرفع أضربه. وقول الفرزدق:
وعضُّ زمانٍ يا بْنَ مرْوانَ لم يدَعْ ... من المالِ إلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ
فضم مجلَّفًا. وقول ذي الخِرَق الطُّهَوي:
يقول الخَنى وأبغَضُ العُجْم ناطِقًا ... الى ربنا صُوْتُ الحمار اليُجَدَّعُ
فأدخل الألف واللام على الفعل. وقول رؤبة:
1 / 6
أقْفرَتِ الوعْثاء والعُثاعثُ ... من بعْدهم والبُرَق البَرارِثُ
وإنما هي البِراث جمع برَث؛ وهي الأماكن السهلة من الأرض، وروى البَوارث وكأنه جمع بارثة.
وقول بعض الرّجّاز؛ أنشده المفضّل:
كانت عجوزًا عُمِّرتْ زمانا ... وهي ترى سَيْئَها إحسانا
تعرفُ منها الأنفَ والعَينانا
ففتح النون من العينانا. وقول آخر منهم - أنشده أبو زيد:
طاروا عليهنّ فطِرْ عَلاها ... واشدُدْ بمَثنى حَقَب حَقواها
ناجيةً وناجيًا أباها
فرفع حَقواها، وحقّه النصب، كما قد نصب أباها، وحقّه الرفع. وقول الأقيشر:
وقد بَدا هَنْك من المئْزرِ
1 / 7
وقول نقيع بن جُرموز:
أطوّفُ ما أطوفُ ثم آوي ... الى أمَّى ويرويني النقيعُ
فأدخل الألف في أمّى لغير نداء ولا ضرورة.
وغيرُ هذا مما هو أسهلُ منه قول امرئ القيس:
كأن ثَبيرًا من عَرانين وبْلهِ ... كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مزمَّلِ
فخفض مُزَمّلا، وهو وصفُ كبير. وقول الفرزدق:
بخيْرِ يَدَيْ منْ كان بعد محمّدٍ ... وجارَيْه والمقتولِ للهِ صائمِ
فخفض صائم. وقول رؤبة:
قد شفّها النوح بمأزولٍ ضيَقْ
ففتح الياء. ومثال ذلك مما يُخرِج الكتاب عن غرضه.
ثم اسعرضتَ إنْكارَ الأصمعي وأبي زيد وغيرهما هذه الأبيات وأشباهها، وما جرى بين عبد الله بن أبي إسحاق الحضرَمي والفرزدق في أقواله ولحنه في قوله:
1 / 8
فلوْ كانَ عبدُ اللهِ موْلًى هجوتُهُ ... ولكنّ عبدَ الله موْلى مَوالِيا
ففتح الياء من موالي في حال الجر، وما جرى له مع عنْبَسَة الفيل النحوي حتى قال فيه:
لقد كان في معْدان والفيل شاغل ... لعنبَسَة الرّاوي عليّ القصائدا
وما كان القدماء يتّبعونه في أشعار الأوائل من لحن وغلط وإحالة وفساد معنى؛ حتى قال البرْدَخْت لبعض النحويين:
لقد كان في عينيك يا حفصُ شاغل ... وأنف كمثلِ العودِ مما تتبَّعُ
تتبّع لحنًا في كلام مرقّشٍ ... وخلْقُك مبنيٌّ على اللحن أجمع
فعيناك إقواء وأنفك مكْفأ ... ووجهُك إيطاء فأنت المرقّع
1 / 9
وقول الأصمعي في الكميت: جُرمُقانيّ من جَراميق الشام لا يُحتجّ بشعره، وما أنكره من شعر الطّرمّاح، ولحّن فيه ذا الرُمّة.
ثم تصفحتَ مع ذلك ما تكلّفه النحويون لهم من الاحتجاج إذا أمكن: تارة بطلب التخفيف عند توالي الحركات، ومرة بالإتباع والمجاورة؛ وما شاكلَ ذلك من المعاذير المتمحَّلة، وتغيير الرواية إذا ضاقت الحجّة؛ وتبيّنتَ ما راموه في ذلك من المَرامي البعيدة، وارتكبوا لأجله من المراكب الصّعبة، التي يشهد القلب أن المحرّك لها، والباعث عليها شدةُ إعظام المتقدم، والكلَفُ بنُصرة ما سبق إليه الاعتقاد، وألِفته النفس.
عود إلى أغاليط الشعراء
ثم عدتَ الى ما عدّده العلماء من أغاليطهم في المعاني، كقول امرئ القيس:
وأركبُ في الرّوع خيْفانةً ... كسا وجْهَها شعرٌ مُنتشِرْ
وهذا عيبٌ في الخيل. وقول زهير:
يخرُجن من شرَباتٍ ماؤها طحِلٌ ... على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا
1 / 10